ابراهيم الوافي


ميقات القصيدة!

لا أعرف حقًا هل تختار القصائدُ زمنَها، أم أن الزمن هو من يفتح لها بابًا سريًا لتتخلّق فيه، كثيرٌ من النصوص، بل حتى الأبيات المفردة، تبدو كأنها تنتقي لحظتها المخصوصة كي تُولد، ثم تمضي في الوجود بقدرٍ من الدهشة يجعل شاعرها نفسه في ورطةٍ مع التكرار؛ كأن الرؤيا تكتمل فجأةً بينما لا يزال الشاعر يبحث عن مدخل جدي...

بنات الرياض.. عشرون عاماً من الجدل

ليس غريبًا أن يعود الجدل -بعد عقدين من الزمان- ليمسك بأطراف رواية بنات الرياض للطبيبة رجاء الصائغ كما لو أنها لم تُكتب أمس، وكأن الزمن لم يَسْتَدِر دورته الكاملة بعد؛ ذلك أن بعض الأعمال لا تعيش في زمنها فقط، بل تظلّ تضيء المناطق المعتمة في وعينا كلما حاولنا إعادة تعريف علاقتنا بالكتابة وبأنفسنا، الجدل هنا ...

الصور التي لم تلتقط بعد!

في الوقت الذي لا نزال فيه ندور - بوعي مُرتبك أحيانًا - حول محيط تاريخنا، لم نمدّ بعد أصابع الدهشة إلى العمق الذي ينتظر أن نلمسه؛ ذلك العمق المزدحمُ برحيل القبائل، وبصدى خطوات الأجداد، وبالوجوه التي حفرتها الشمسُ ونسيتها الرواية، لا نعرف حقًّا متى سنشرع في الالتفات إلى مخزوننا الهائل، التاريخي والجغرافي، بك...

الماضي.. والذاكرة الانتقائية!

الماضي.. ذلك الظلّ الذي يمدّ يده من عمق الذاكرة ليعيد ترتيب أرواحنا كما يشاء، جعلناه دائمًا مرجعًا للقيم والمبادئ الأولى، وبالتالي حرصنا على أن نستعيره تربيةً ومثالًا لكل ما ظننّا أنه الخير المطلق، فنعود إليه كلّما اختنق الحاضر بحداثته، نلوذُ به، نستنطقه، ثم نبكيه، وحين لا نجده كما كان في خيالنا، نلعن حاضر...

وجهٌ آخر لكرة القدم

لم تنشغل الأرض يومًا، بكلّ ما دار فوقها من حروبٍ ومصالحٍ وتحوّلاتٍ، كما انشغلت بكرة القدم، هذه اللعبة الصغيرة التي تدور بين قدمين، كرةٌ لا تعرف اللغة لكن تتكلّمها جميع الألسن، تمرّر سحرها وخديعتها بأناقةٍ مدهشة، تُبهر وتُضلّل في الوقت ذاته، وتجمع بين الصيّاد والفريسة في رقصةٍ واحدة، إنها كرة القدم مرآةُ ال...

الشعر ضمير الوجود

منذ أن نطق العربيّ أوّل بيت شعر له، لم يكن حينها يكتب الشعر ليتباهى ببلاغته وفصاحة لسانه ومهارته اللغوية، بل ليوثّق ما لا تُوثّقه السيوف، ولا تدركه الروايات، فالشعر في جذره الأوّل ليس فناً للزينة، بل آلية بقاء، ووسيلة نجاةٍ من الفناء، كأنّ القصيدة هي الكفّ التي كتب بها العربيّ تاريخه قبل أن تكتبها الدول في...

مختبر الجمال

الشعرُ في جوهره العميق ليس قولًا جميلاً ولا حرفةً لفظيةً تُنَظَّمُ كما تُنَظَّمُ القصائد لجوائز دورية، هو لحظةُ وعيٍ متوهّجة، ينفلت فيها الوجودُ من عقال اللغة ليعبّر عن نفسه عبرها، كينونةٌ تتجلّى في الكلمة، كما يتجلّى الضوء في قطرة ماء، ولهذا ضلّ كثيرون طريقهم إليه حين ظنّوه غرضًا يمكن تدجينه أو تفسيره، فا...

القصيدة.. مرآة الأزمنة

القصيدة لا تُولد من لحظةٍ عابرة، بل من سرٍّ قديمٍ ظلّ يتربّص بالزمن حتى يكتمل نُضجه في صمت الوجود، هكذا أراها بعد أكثر من ثلاثين عامًا برفقتها، قارئًا وشاعرًا، فالكلماتُ التي تخلَق في ساعتها، تختار زمنها كما تختار الأرواحُ موطنها الأول، تأتي حين يشتهيها الغياب، وتؤجِّل ميلادها حتى يبلغ الحنينُ تمامَ القصيد...

التاريخ.. روايتنا الأولى

من المدهش أن يظلّ التاريخ العربي يُتلقّى في الغالب على هيئة حكاية، وكأنّ السرد في ثقافتنا كان دائمًا الوسيط الأسبق للفهم والتأويل، فقبل أن نعرف الوثيقة أو المنهج النقدي، كانت الذاكرة الشفوية هي المؤرخ الأول، والراوي هو الحافظ للزمن، وهذا ما يجعل العلاقة بين التاريخ والرواية في الثقافة العربية علاقةً إشكالي...

الصبـاحيّ..!

الشمسُ تعرفني الصباحيّ الذي ترك الحكاية للصباح.. ونام عن ليل الظنون أكثر من عقد ونصف مضى من عمري آخيتُ فيه الصباح، بعد أن قضيت عمرًا ساهرًا ليله.. فلا يجيئني حينها إلا كفقّاعة ضوء تنفجر في عينيّ لتدميَ الصحو فيهما..! كنتُ حينها أدّعي أنني من قبيلة الشعراء الذين لا تشرق شمسهم قبل أن يموتوا، لكن كما ي...

الوطن قصيدة لا تنتهي

منذ أن عرف الإنسان معنى الانتماء، كان الوطن القصيدة الأولى التي تسكن وجدانه قبل أن يسكن البيوت والمدن، فالوطن ليس مجرد جغرافيا أو حدود مرسومة على الخرائط، بل هو ذاكرة ممتدة في الدماء، وأغنية لا تتوقف على الشفاه، ولأن العربي ابن اللغة التي تستطيع أن تجسد هذا الحب الفطري العميق دائما، اختار الشعر ليكون الأصد...

قليلاً من البوح يكفي..!

في المساء يعود صغاري وقد كبروا كي يعودوا إليَّ مساءً ليلقونني البدوي القديم الذي يشعل النار في ظله كي يعيش طويلًا على ذمة الذكريات.. وقرض السنين يحيّونني متعبينَ ويستأذنون لكي يصعدوا نومهم هانئين! ينادونني بالكبير.. الذي يتجاوز عن قلبه ويطيل صلاة الحنين أسائلهم بعد أن يصعدوا.. ويذوب جليد ان...

قصائد الشيخ «الجبتي»

في إحدى الأمسيات الشعرية الخاصة.. وبعد انتهاء الأمسية تداخل أحد الحضور ممن أحسنوا بي الظن بقصيدة ترحيبية لا تخلو من عبارات المجاملة والإخوانيات كعادة كل قصائد المناسبات، والطريف في الأمر أنه ضمنها بعض التفاصيل الشخصية التي فوجئت من إلمامه بها.. وحين فرغ من قراءتها عبر هاتفه الجوال.. ابتسم وقال هذه القصيدة ...

ضوء يكتب التاريخ

التاريخ في جوهره أوراق ثقيلة صامتة، لكنه حين يعبر إلى الشاشة، يتحول إلى دمٍ يسيل في العروق، وإلى وجوهٍ تحدّق بنا من قلب العتمة، فمن تحت وهج الضوء، يولد الماضي من جديد، لا كما كان بل كما أرادت العدسة أن تراه، وكما أراد الخيال أن يصوغه، فالسينما لا تنقل التاريخ كما ينقله المؤرخون، بل تعيد كتابته بلغة أخرى لغ...

الثبيتي.. وتأصيل الهويّة..!

حين نتأمل التجربة الشعرية لمحمد الثبيتي، ندرك أننا أمام شاعر لم يكتب القصيدة ليحاكي الآخرين، بل ليعيد رسم ملامح الهوية الشعرية السعودية في زمن التحولات، فقد استطاع أن يمنح القصيدة السعودية وجهها الخاص، مستمدًا مادته الأولى من المكان، ومنفتحًا في الوقت نفسه على آفاق الحداثة الشعرية العربية، ومن هنا تأتي فرا...

الصباحات الفيروزية

صباحاتنا العربية على اختلاف جغرافياتها وطبائع ناسها، تكاد تلتقي عند نغمة واحدة؛ نغمة تُفتَح بها النوافذ على ضوء النهار، ويُسكب معها الفنجان الأول من القهوة، وتُستقبل بها ساعات العمل والدراسة واللقاءات الأولى.. إنه صوت فيروز هذه الظاهرة التي امتدت لعقود طويلة.. وهي بذلك لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة تداخل عم...

متلازمة الكتابة والقهوة

يقول الثبيتي في رائعته تغريبة القوافل والمطر: وزِدْنَا مِنَ الشَّاذِلِيَّةِ حتَّى تَفِيءَ السَّحَابَةْ أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ واسْفَحْ علَى قِلَلِ القَومِ قَهْوتَكَ المُرَّةَ المُسْتَطَابَةْ .. القهوة، تلك الحبيبات السمراء التي تُسحق لتتحول إلى شراب أسود كثيف، لم تكن مجرد مشروب في الوجدان الإنساني...

المتنبي والوعي الخالد

لم يكن أبو الطيب المتنبي مجرّد شاعر تفيض قريحته بالحكم وتلتهب أبياته بالكبرياء، بل كان نبيّ رؤيا، يتجاوز الشعر كفنٍ بياني إلى الشعر كقدرٍ ووعي، كان يرى نفسه أكبر من الزمان، وأوسع من المكان، وأقوى من الجسد، ومن هنا تحديداً لم يكن يكتب لزمنه، بل لزمنٍ لم يأتِ بعد، ولم يكن يطارد المجد كما يرى الرواة المختلفون...

الذاكرة الفنية للتاريخ

الرواية التاريخية عمل أدبي يستند على وقائع أو شخصيات أو فترات زمنية من الماضي، يجد فيها الروائي الفنان بأدواته مادة أولية يعيد تشكيلها ضمن بنية سردية تخضع لمقتضيات الفن الروائي وتقنياته، وهي بذلك تتجاوز التوثيق أو إعادة السرد الأكاديمي، لتكون نوعا من الكتابة يجمع بين متعة الخيال وصرامة التاريخ، ويقدم نبض ا...

بين الشاشة والورق

يُعد تحويل الأعمال الروائية إلى أفلام سينمائية أحد أبرز أشكال التداخل بين الفنون، حيث يلتقي الأدب بالسينما في تجربة غالبًا ما تثير جدلاً نقديًا وجماهيريًا على حدّ سواء، فبين صفحات الرواية وسيناريو الفيلم مساحة من الإبداع، لكنها كذلك مساحة محفوفة بالمخاطر، قد ترتقي بالنص الروائي إلى آفاق جديدة، أو تهدم الكث...

صوتان أحلاهما شعر

منذ أن كان العربي يشقّ الفيافي على صهوة ناقته، ويتخذ من الصوت جسرًا إلى الحنين، والصدى شرفة أخرى للبوح، نشأ الشعر في ثوبه الأول حداء، لم يكن نصًا مكتوبًا بقدر ما كان رجع صدى لقلبٍ يمرِّر الوقت شجنًا في بيداء خالية إلا من حنينه وذكريات الطلول حوله، فالحداء، وهو الغناء الذي يُقال للإبل كي تسرع في مسيرها، لم ...

الشعر وندوب العالم

في عالمٍ يضجّ بالصراعات، ويئنّ تحت وطأة الحروب، والانقسامات، والأزمات البيئية والاقتصادية والوجودية، يبدو أن العقلانية وحدها لم تعد كافية لتهدئة هذا الضجيج، وفي هذا السياق، يبرز الشعر بوصفه وسيلة وجدانية تتجاوز البراغماتية، وتنفذ إلى عمق النفس البشرية، فتمنحها معنى، وتعزيها، وتوقظ فيها إحساسًا غائبًا بالان...

الشعر والرواية.. الشكل والبيئة

منذ بداياته الأولى، ارتبط الشعر العربي بالفضاء الصحراوي ارتباطًا عضويًا، لا مجرد علاقة بين شكل أدبي وبيئة جغرافية، فالصحراء لم تكن فقط خلفية مكانية تدور فيها الأحداث الشعرية، بل كانت روحًا تسري في بناء القصيدة وتُشكّل خصائصها الإيقاعية واللغوية والوجدانية، في المقابل، جاءت الرواية، بوصفها شكلًا سرديًا حديث...

درويش.. حيث تنمو التجربة لغةً!

يعدّ محمود درويش واحدا من أهم وأبرز شعراء العصر الحديث في العالم العربي، حين شكّلت لغته الشعرية ظاهرة أدبية جديرة بالدراسة، لا من حيث تفرّدها وقدرتها على خلق رؤى جديدة ومعجم مدهش من المجاز المختلف والمغامر فحسب بل كذلك من خلال تطورها الملحوظ عبر مراحل حياته، إذ تنقلت من اللغة المباشرة ذات النفس الوطني إلى...

جامعاتنا.. والشعر الحديث

شهدت الساحة الأكاديمية في العقود الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا في النظرة إلى الشعر الحديث، حيث بدأت الجامعات العربية، ومنها السعودية على وجه الخصوص، تُولي اهتمامًا متزايدًا للتجارب الشعرية الجديدة وتضمينها ضمن بحوث الماجستير والدكتوراه. ويأتي هذا التوجّه نتيجة وعي أكاديمي متنامٍ، وإيمانًا بأهمية الحداثة الشعرية،...

الشعر بوصفه حضارة

بين حين وآخر يداهمني البعض بسؤال عصري طارئ .. ماجدوى الشعر وما الذي قدمه لنا العرب تحديدا كي نعتد به كل هذا الاعتداد؟، والواقع أنه ومنذ فجر التاريخ العربي، كان الشعر أكثر من مجرد كلمات موزونة ومقفّاة؛ كان ديوان العرب، ومراياهم التي انعكست فيها تجاربهم، ومشاعرهم، وتقاليدهم، وانتصاراتهم وهزائمهم، فهو سجلّ ا...

الحج وأدب الرحلات

يُعدّ أدب الرحلات من أقدم أنواع الكتابة التي سجّلت تجارب الإنسان مع الأسفار والمشاهدات، وهو مرآة تعكس تفاعل المسافر مع المكان والناس والثقافة، ومن بين الرحلات التي تركت بصمة واضحة في هذا الأدب، تبرز رحلة الحج إلى مكة المكرمة التي لم تكن مجرد انتقال جغرافي أو التزام ديني، بل تجربة روحية وثقافية وإنسانية عمي...

النص الجماهيري!

في عالم الأدب، يبرز نوع من النصوص يحظى بانتشار واسع وقبول جماهيري لافت، سواء أكان شعراً أم رواية، ويُطلق عليه عادةً «النص الجماهيري». هذا النوع من النصوص يتميز بقدرته على الوصول إلى أكبر عدد من القراء، ويحقق غالباً مبيعات ضخمة وتفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الأدبية. غير أن هذا النجاح ...

الأهلي.. قصيدة الكرة السعودية!

يعد النادي الأهلي السعودي أحد أعرق الأندية في المملكة العربية السعودية، حيث يمتلك جماهيرية عريضة وعاطفة متقدة تجاهه، تتجاوز حدود التشجيع الرياضي المعتاد لتصل إلى ارتباط روحي وثيق، فالعلاقة بين جماهير الأهلي وناديهم علاقة استثنائية قلّ أن نجد لها مثيلاً في محيط الكرة السعودية والعربية، بل وحتى العالمية، حيث...

درويش.. حيث تنمو التجربة لغةً!

يعدّ محمود درويش واحدا من أهم وأبرز شعراء العصر الحديث في العالم العربي، حين شكّلت لغته الشعرية ظاهرة أدبية جديرة بالدراسة، لا من حيث تفرّدها وقدرتها على خلق رؤى جديدة ومعجم مدهش من المجاز المختلف والمغامر فحسب بل كذلك من خلال تطورها الملحوظ عبر مراحل حياته، إذ تنقلت من اللغة المباشرة ذات النفس الوطني إلى...