هنري زغيب

في رحاب الرياض

الإِبداع بين الكلمة واللُغة الأُم

الإِبداع الأَصيل لا بُدَّ أَن يصل، ولو منقولًا إِلى سائر اللغات، مع ما قد تَفقد أَصالتُه عبْر الترجَمة، مع أَنها لن تَفقد الكثير إِذا كان المترجم عبقريًّا. لكنّ الشاعر لا يبلغ عمق الأَصالة وجوهرها ووسائطها ووسائلها إِلَّا متى علاقَتُهُ باللغة التي يكتبُها بلغَت تقْنيةً تَجعل اللغة تنصاع له في طواعيّةٍ مُط...

لا الشعرُ في أَزمة بل الشعراء

غالبًا ما يطالعني في لقاءات صحافية أَو إِعلامية سؤَال عن رأْيي في «أَزمة الشعر المعاصر، وهل ما زال له أَثَر في الحياة اليوم وما فيها من تقدُّم تكنولوجي ووسائلَ ووسائطَ ومنصاتٍ إِلكترونية». ودائمًا يكون لي الجواب ذاته: الأَزمة ليست ولَم تكن يومًا في الشِعر. إِنّها لدى بعض الشعراء. وكلامُنا على أَزمةٍ في ال...

في جوهر الشعر والنثر

1) في لغة الشعر ما الشعر؟ بل ما الذي يستاهل أَن يسمّى "شعرًا"؟ هل يُمكن "تَحديد" الشعر كما يتحدَّد أَيُّ فَنٍّ آخر؟ ما الذي "يَجب" في الشعر، وما الذي "لا يَجب"؟ إِذا كان "وجوبُ" الوزن في الشعر ضرورةً ليكون "شِعرًا" (تَمييزًا له عن النثر)، فهل كلُّ كلام "موزون" هو في جوهر الشعر؟ وإِذا كانت القافية لازمةً ...

ولِمَ لا: «يوم عالَـمَيٌّ للنثر»؟

نبيلةً كانت بادرةُ اليونسكو في جمعيَّتها العمومية الثلاثين (پاريس 1999) بجعْل الحادي والعشرين من آذار/ مارس "اليوم العالمي للشعر"، إِجلالًا هذا العالم الرائع الذي هو الشعر. بعيدًا عن المدائح الكرنڤالية التي تُكال للشعر في "يومه العالمي"، أَتساءَل: "لِـمَ اعتبارُ الشعر أَهمَّ من النثر حتى لا يكون له هو الآ...

سرُّ القصيدة: الحالةُ الثانية

ينفُر البعض من القصيدة الكلاسيكية، جهْلًا قواعدَها الصارمة، أَو ادِّعاءً "مواكبةَ العصر". وكلا الموقِفَين مغلوطٌ ضعيف. الوزن ليس ضروريًّا؟ الضروريُّ هو الشعر. الوزنُ للشاعر كالنوتة للموسيقيّ، كاللون للرسام، كالخشبة للمسرحيّ، كالكاميرا للسينمائي. براعةُ المبدع أَن يقدِّمَ اللحنَ الجميل ويُنْسينا النوتات...

التجديد ليس الخروج على الأُصول

أُواصل البحث في مفهوم الحداثة والتجديد. القصيدة الـمُجَدِّدة هي بنتُ القصيدة التقليدية. تُشبِهُ أُمَّها لكنها ليست أُمَّها. فيها جذورٌ من أُمِّها لكنَّ فيها ملامحَ من روح العصر. أَما إِذا كانت مغايرةً تَمامًا فهي بنتٌ حَرامٌ بلا أَصْل ولا نسَب وليست شرعية. الأَزهارُ الاصطناعيةُ لَم تُلْغِ الورد والزنبق، و...

الحداثة قديمة كالأَخلاق والقيَم

في السائد العام أن الحداثة تعني المعاصَرة، فهي كرونولوجيًّا ما هو الأَقرب إِلينا زمنًا مقابل القديم الأَبعد عنَّا زمنًا، غير أَن هذا لا يستقيم في الفنون والآداب. الشمسُ قديَمةٌ ولا تتجدَّد، وليس من يقولُ إِنّها صارت عتيقةً تقليدية! كلّ يوم نظنُّنا نراها مرّةً أُولى. والقيَم والأَخلاق لا تهرم، وليس من يقو...

العالمية تبدأُ من المحلية وتنْشرُها

فوجئ عالم الأَدب، الأُسبوع الماضي، بمنْح الأَكاديميَا السويدية جائزة نوبل للأَدب هذا العام الروائيَّ التَنْزاني عبدالرزاق قُرنَة (غورنا) على مجموعة أَعماله التي تعالج مسائل الهجرات وانعكاساتها المأْساوية، عرَضَ في معظمها ما يتعرَّض له العرب والأَفارقة في أُوروبا من اضطهاد وتمييز عنصري. وكان لافتًا في تصار...

الترجمة.. هذا الجسر النبيل

بين أَبرز المفاصل في "معرضِ الرياض الدولي للكتاب" (المستقْطِبِ حاليًا روَّاده بالآلاف حتى العاشر من الجاري في عاصمة المملكة) أَنه يَفتحُ مساحةً لائقةً للترجمة، عَرضًا نتاجَها الثَرّ، وتحفيزًا بتخصيص جوائز لأَفضل الـمُتَرجَـمات أُسوة بجوائز الـمؤَلَّفات. أَقول "أُسوةً" وأَقصدها لأَن كتابًا يتولَّى ترجمتَه...

عرس الكتاب في الرياض

بدءًا من غدٍ الجمعة، الرياضُ في عرس الكتاب. وليست أَقلَّ من عرسٍ هذه الظاهرةُ التي تمتدُّ عشْرة أَيام، هي التي منذ أَربعين عامًا تمتدُّ في رحاب المملكةِ الواعيةِ أَن الثقافة بأَعلامها ومعالمها وعلاماتها تبقى على التاريخ مضيئةً كلَّ تاريخ. وكان لافتًا أَن يتَّخذ ذكْرُ المعرض حيزًا بيِّنًا في يوم المملكة ال...

القصيدة ليست وحدها الشعر

يراسلني، منذ أَسابيع، عددٌ من متابعي "الرياض" حول مقالاتي المتتالية عن الشعر تحليلًا نظريًّا بدون نشْر أَيِّ قصيدة، لي أَو لسواي، توْضح عمليًّا فكرتي النظرية. فيا الأَصدقاء: القصيدة وحدها لا تعطي وهجًا للشعر ولا تختزل فضاءَه. ثمة شِعر في غير القصيدة قد لا يتوفَّر فيها. ليس في كل قصيدة شعر إِنما في كل شعر...

حين يُحِبُّ الشاعـر (2 - 2)

حين يُحبّ الشاعر: لا يعود يذوق حياته إلّا من خلال حبيبته. كلُّ ما يعيشُه، يعيشُهُ لأَنه يحبّها. فوق كلّ حَدّ. فوق كلّ وصف. فوق اتساع الكلمات والعواطف. يحبّها ويقول لها. يقول لها ويكـرّر. يقولُ لها ويظلُّ يقول لها. يخافُ أن تغضَب ويقول لها إنه يَخاف أن تغضَب. إذا أَخطأ يهرع ويعتذِر. وإِذا أَخطأتْ يدَّعي أَن...

حين يُحِبُّ الشاعـر (1 - 2)

لم يكن يعرف أَنّ الخوفَ رديفُ الحب حتى عرفَ الحُبّ. لم يعرف الخوفَ يومًا في حياته إِلَّا منذُ عرف الحُبّ. وراح يَعقُل نبضَه أَمام الرهبتَين: أَيكونُ أَنَّ الحُبَّ خَسِعٌ إِلى هذا الحدّ؟ أَيكون أَنَّ الخوفَ قويٌّ إِلى هذا الحدّ؟ كيف يكونُ الخوفُ ذئْبَ الحُبّ؟ ما الذي يَقتل هذا الذئْب؟ مَن؟ كيف؟ متى؟ راح ي...

هَيبةُ الدُخُول إِلى حَرَم الشعر (2 من 2)

كيف يكون الدخولُ إِلى حرم الشعر؟ كما الحريةُ لا تُلمَس، والعطرُ لا يُلتَقَط، هكذا الشعر لا يُفسَّر بل يضُوع ويُعاش. تَلَقِّيهِ في الإِحساس به هُو في ذاته تفسيرُهُ بكلّ وضوحه. فالشعر انفعال، ولكلِّ انفعالٍ إِيقاع بغرابةٍ ونضارةٍ تَضُمّان كلَّ المعرفة وكلَّ الكون في مزيجٍ عجيب لا يُمكن تفسيره. الشعر عملٌ ف...

هَيبةُ الدُخُول إِلى حَرَم الشعر (1 - 2)

تحديدُ الشعر؟ كيف؟ مَن يجرُؤ؟ هل مَن يقارب كائنًا أَثيريًا لا شكل له ولا مدى؟ كائنٌ أَثيريٌّ يولَد معنا، فينا، بنا، لنا، لا يُعار ولا يُدار. يكون فنحيا به، أَو لا يكون فلا بلوغَ لنا إِليه. بِتَهَيُّبٍ أَدنُو من حَرَم الشعر، معتذِرًا عن تَجَرُّؤِي على الوقوف في رحابه. لكنَّ النظَّامين تكاثروا، فحَرَمُهُ ف...

الحُبّ نَصًّا أَدبيًّا (4 من 4)

بهذه الحلقة أَختُم رباعيةَ أَن يكون النثر (لا الشعر وحسب) صالحًا باستحقاق كبير أَن يشكِّل نصًا أَدبيًّا في الحب. وقد يتفوّق على الشعر حين يأْتي به ناثرٌ متمكِّن يخاطب قارئه. حين تعرف أَن التي تنتظرها "هي" التي وصلت، تعي أَن حبَّها جاء فضيحتَك. كَشَفَك. أَراكَ حقيقتَك. فضَح أَوهامك وأَحلامك وأُمنياتك. هـزّ...

الحُبّ نَصًّا أَدبيًّا (3 من 4)

بعد جُزءَين عن مديح النثر في الحب (لا الشعر وحسْب)، هنا الجزءُ الثالث من هذه الرُباعية. عند بلوغكَ نعمةَ الحب الحقيقيّ (كما بانت في المقالَين السابقين) تكون بين الناس مغلَّفًا بِـهدوئِك، لكنَّ في داخلك بُركانًا من الحبّ منها وإِليها. تكون مُقَنَّعًا بالعاديّ من السلوك لكنَّ في كيانِك جنونًا بها غيرَ عاديّ...

الحُبّ نَصًّا أَدبيًّا (2 من 4)

بعد جُزء أَوَّل عن مديح النثر (لا الشعر وحسْب) في الحب، هنا الجزء الثاني من هذه الرُباعية. الحبّ الحقيقيُّ ليس العلاقة (رجل/امرأَة) ولا الرومانسية المراهِقة، بل هو حدثٌ استثنائيٌّ لا يأْتي في العمر سوى مرة واحدة. هو الحبُّ بالمعنى الأَسمى كمالًا في الذات واكتمالًا في الآخر. هو الحبّ الذي يتَّخذ حجْم قدَر ...

الحُبّ نَصًّا أَدبيًّا (1 من 4)

يَشيع غالبًا أَن الحب في الأَدب قصْرٌ معظَمُهُ على الشعر دون النثر. هنا جزءٌ أَول من رباعيةٍ لمديح النثر في الحب. في السائد أَنَّ الموتَ نقيضُ الحياة، وأَنَّ الحياة مهدَّدةٌ بانتهائها في الموت. قد يَصُحّ هذا القول في الحدث "البيولوجي" الذي هو الولادة فالموت، أَي رحلة النبض في الجسد حتى انطفاء النبض في ا...

المباغتة الجمالية في الأَدب

أُواصل هذا الأُسبوع ما بدأْتُ به في «رياض» الخميس الماضي من الْتزامي عمليًّا بما أَدعو إِليه نظريًّا. أَقطف من كتابي «داناي... مطر الحب» مقطعًا جاء فيه: «حبيبتي داناي: أَتوغَّل في العمْر ولا أُحسُّني وحيدًا لأَننا واحدان. يخافُ توغُّلَ السنين مَن يَسمَع شَعره يَشيب ويَرى صوتَ تجاعيده، لا مَن أَشرقَت على ج...

أُفْقُ لونٍ وعبيرٍ في 7 كلمات

وَعَدتُ في المقال السابق (الخميس الماضي) أَن أَنتقل من النظَريّ في الأَدب، شعرِه والنثر، إِلى التطبيق في استعمالاتٍ تطرِّزُ النص، تجاوُرًا جماليًّا واشتقاقاتٍ وأَساليبَ بلاغة. وكي لا أَستعير من سواي ما أَطبِّقُه، أَقطف من نصي ما أَدعو إِليه، كي أَكونَ مُطبِّقَه قبل أَن أَطلب تطبيقه من السوى. في كتابي "دا...

البلاغةُ شِعرًا قبل النثر (2 - 2)

كتبتُ في المقال السابق ("الرياض" - الخميس الماضي) أَنَّ "الصورة دائمًا أَوسعُ من التعبير"، مواءَمةً رأْيَ النِفَّريّ في كتاب "المواقف والمخاطبات" أَنْ "كلَّما اتَّسَعَت الرؤْيةُ ضاقت العبارة". إِذا الصورةُ تتَّسع في النثر السردي، وَوَجَبَ ضبْطُها كي لا يقع التعبير في الثرثرة (والنثْر محلولٌ رخْوٌ يُغري با...

البلاغةُ شِعرًا قبل النثر (1 - 2)

في ذاكرة الأَدب العربي، منذ جاهليَّته السحيقة حتى مطالع القرن العشرين، ظاهرة "المعلَّقات الشعرية" التي لم تقِف عند السبع المعروفة، بل بقيَت تتناسل مطوَّلاتٍ شعرية غالبًا ما يتباهى أَصحابُها (!؟) بطُول قصائدهم مئاتٍ متراكمةَ الأَبيات فوق بعضها بعضًا في شكل عمودي روتيني بَليد يَندر أَن يخرج منها عدد ضئيل من ...

أَيُّ حروف؟ أَيُّ أَفكار؟

أَستعير لمقالي عنوان هذه الصفحة الجميل "حروف وأَفكار"، وهو بَيِّنُ الدلالة في تركيزي على انتقاء الكلمة الأَنقى للمدلُول الأَبقى. إِذا الكلمةُ وَحدة الكلام، شفَهيِّه أَو الكتابيّ، فوَحدة الكلمة تتجلَّى في حروفها. وإِذا الكلمةُ تؤَدِّي المعنى، فالكلمة في مدلولها القاموسي تؤَدِّيه بأَمانة، لكنَّ في القامو...

اللغة فضيلة لا وسيلة (3 - 3)

أَختُم هذه الثلاثية - عن التعامل مع اللغة العربية حبًّا واحترامًا - ببعض ما يقترفه مستخدموها شفويًّا أَو كتابيًّا، مستهينين بها حروفًا وكلماتٍ وتعابيرَ ومصطلحات، فيؤْذون استعمالَها وإِن تكُن، في جوهرها وعظَمتها، عاصيةً على كل أَذى. من تلك الانتهاكات: كتابتُها بغير حروفها، كما أُلاحظ حديثًا في استخدام الر...

اللغة فضيلة لا وسيلة (2 - 3)

أَقرأُ أَحيانًا في مقالاتٍ وأَبحاثٍ عبارة "جسد اللغة" أَو "جسم اللغة" أَو "هيكل اللغة"، وهي عبارة لا تفي اللغة مطلقًا لأَن لِلُّغة روحًا أَهمَّ من الجسد، واللغات "الميتة" أَو "القديمة" هي التي لم تعُد في الاستعمال شفاهةً ولا كتابةً (إِذًا روحُها "ميتة") ولو بقيَت مُفْرَغَةً مفرداتٌ منها في بعض المراجع أَو ...

اللغة فضيلة لا وسيلة (1 – 3)

في سياق ما أَقوله دائمًا عن أَن أَيَّ نجاح لا يتحقَّق إِلَّا إِذا قاربناه بحُب، ينطَبق هذا الأَمر على اللغة. نظْلم اللغة حين نعتبرها أَداةً حياديةً جامدةً للكتابة والإِيصال، أَو مجرَّدَ وسيلةٍ للتعبير مكتوبةٍ أَو محكيةٍ لتَنقل شفويًّا فكرةً للتداوُل، أَو كتابيًّا نصوصًا للقراءَة. فحين نقاربها كذلك نستهين ...

الشعر: انفعال أَم افتعال؟

كتبْتُ في المقال السابق («الرياض» الخميس الماضي) أَن المرأَة هي اللحظةُ التي تُطلق شرارة الشعر، يتلقَّاها الشاعر فيَصوغُ منها شُعلةَ القصيدة. يبقى: كيف «يصُوغ» الشاعر؟ أَمُنفعلًا بتلك اللحظة؟ أَم مفتعلًا صياغَتَها؟ أَمُتلقِّيًا إِيحاءَها أَفكارًا وصُوَرًا وتعابير يُسجِّلها كما هي؟ أَم متأَنيًّا في صياغته...

شعر الحب؟ المرأَة هي اليُنبوع

بعد تمييزي غيرَ مرة في هذه الزاوية بين شعر الغزَل (ومعظمُه افتراضيٌّ لامرأَة في خيال الشاعر) وشعر الحب (وهو مُعاشٌ في كل تفصيل منه)، أَسأَل عن المصدر في شعر الحب الحقيقي الـمُعاش: هل هي المرأَة الحبيبة توحي للشاعر بقصيدته؟ أَم هو الشاعر يَنسُج القصيدة ويرفعها إِلى الحبيبة على أَنها الموحية؟ أَين هي الشرار...

القصيدة.. حلْمٌ أَم احتمالٌ؟

ما طبيعتُها، هذه القصيدة الأُعجوبية؟ ما السرُّ في تأْثيرٍ عجيبٍ تُثيره في القراءة أَو السَماع؟ يَنسج الشاعر قصيدته في دأْبٍ دقيق رقيق عريق، حتى إِذا أَطلقَها في فضاء الشعر راحت تزغرد أَلوانًا تُبهِج المدى عُطورُها، وتتردَّد ميلودياها في الأَسماع الـمُنْصتة أَو العيون القارئة، ساكبةً على الواقع عبيرًا تَج...