د. فهد البكر

صبابة القول

اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ وَيَومُ التَّأسِيسِ

هذا عنوانٌ عريضٌ للندوة الاحتفائية التي نظّمتها (الجمعية العلمية السعودية للغة العربية) في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض قبل أيام، وذلك في مساء يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر شعبان من العام خمسة وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية، الموافق لليلة الثاني والعشرين من شهر فبراير من العام أربعة وعشرين ...

اليَومُ العَالميُّ للقِصَّةِ القَصِيرَةِ

يعد القصص أمراً مهماً في حياة كثير من الناس، ولا نبالغ إذا قلنا: إن الحياة لا تخلو من القصة في كل تفاصيلها، فالواعظ يحتاج إليها في وعظه، والمؤرخ يستند عليها في رواية الآثار والأخبار، والطبيب يلجأ إليها عندما يحاور مرضاه، ويستمع لمشكلاتهم، والقاضي يعتمد في أحكامه عليها عندما يسرد المتخاصمون أمامه قضيّتهم، و...

فِي الخِطَابِ الأَخلاَقِيِّ

قبل أن ندخل إلى الحديث عن الخطاب الأخلاقي من المهم أن نشير إلى أن هذا الخطاب هو كل نصٍّ شعري أو نثري، مكتوب، أو شفاهي، أو مسموع، أو مرئي، ومعلوم أن تصنيف الخطاب إلى خطابات فعل معهود عند النقاد قديماً، منذ عهد (أرسطو) الذي ميّز بين خطاب شفوي، وتشاوري، وقانوني، وحدوثي، وإشاري، ونحوه، وهو فعل المعاصرين أيضاً ...

السَّردُ الرّيَاضِيُّ

لفت انتباهي وأنا أتجوّل في فضاء منصة (إكس) الشهيرة، ما أبدعه الدكتور حسن النعمي من سرد رياضي ماتع، وذلك في ملصقين جداريين يحملان توقيعه، وصورته، فالأول بعنوان: (سردية كأس آسيا 1)، والثاني بعنوان: (سردية كأس آسيا 2)، والحق أنني استمتعتُ معه في أجواء الحكاية التي أخذتني إلى زمن جميل، وماضٍ مليء بالذكريات وال...

مَدْخَلٌ إلى (إِيكُولُوجِيَا) الأَدَبِ

تشير كلمة (إيكولوجيا Ecology) إلى العلم الذي يهتم بدراسة العلاقة بين الكائنات الحية -بما فيها الإنسان- والبيئة، وذلك من خلال فهم التفاعل الذي يجمع بين تلك العناصر، ويشمل ذلك الفهم أيضاً التعرف على النظام البيئي في تفاعله مع الإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد، وتفاعل تلك المظاهر معه، وذلك ابتغاء الوعي العم...

القَصِيدَةُ الإِدَارِيَّةُ أو الشِّعْرُ الإِدَارِيُّ

لونٌ جديد من الشعر، لا أحسبه معروفاً، أو مألوفاً، ولا أدّعي أنني أول من أشار إليه، أو كشف عنه، أو أتى فيه بجديد، لكنني في حقيقة الأمر حاولتُ أن أتلمّس هذا العنوان في محركات بحثٍ مختلفة؛ لعلي أظفر بشيء موافق لهذا الموضوع، أو قريبٍ منه على الأقل، فلم أجد شيئاً ذا بال؛ ولهذا أجدني مضطراً إلى القول: إن هذا الش...

فِي المَنَاهِجِ النَّقدِيَّةِ: المَنهَجُ الإِنشَائِيُّ

أول ما يواجهنا من إشكال في التعرف على المنهج الإنشائي بوصفه منهجاً نقديًّا هو التباسه بالإنشائية الأدبية، والإنشائية البلاغية، ومعلوم أن الإنشاء عند أهل الأدب هو: القطعة الأدبية النثرية، وهو عند البلاغيين: الكلام الذي لا يحتمل صِدقاً، ولا كذباً، وما لا يحصُل مضمونه، أو يتحقق إلا إذا تلفّظت به، ويقسّم البلا...

الإِبِلُ بِوَصفِهَا عَلَامَةً ثَقَافِيَّةً

دلّت آيات من القرآن الكريم على عظمة خلق الإبل، فقال تعالى: "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ"، وقال تعالى: "وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ"، وقال تعالى: "حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، وقال تعالى: "إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ"، وقال تعالى: "وَمِنَ ٱل...

نَحْوَ كِتَابَةٍ سِيَرِيَّةٍ لِلأَشيَاءِ

لا يمكن لغير الإنسان أن يكتب سيرته بنفسه، أو أن يتحدث عن حياته، فلا يمكن للحيوان، ولا الطير، ولا النبات، ولا الجماد أن يقصّ علينا من أخباره، أو أسراره، أو يتحدث عن عواطفه، ومشاعره، كل ذلك إنما هو من صميم عمل الإنسان، غير أن عدم قدرة الأشياء على الكتابة عن ذاتها لا يعني عدم التعبير عن مكنوناتها؛ ومن هنا كان...

نَقْدُ استِجَابَةِ القَارِئِ

يدخل هذا العنوان نقديًّا في (نظرية التلقي)، وهو محور مهم ترتكز عليه هذه النظرية، إضافة إلى (أفق التوقع - أفق الانتظار - اندماج الأفق - المسافة الجمالية - تغيّر الأفق - تأسيس الأفق..)، وتلكم مباحث نقدية حديثة وُلدت (بعد البنيوية)؛ لكي تعيد للقارئ وهجه، وهيبته، ولكي توجّه نقده، وتحاول تصفيته، وإعادة برمجة اس...

الشِّعْرُ وَالفُنُونُ

نحتفل بعد يومين باليوم العالمي للغة العربية، تحت شعار (اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ: لُغَةُ الشِّعْرِ وَالفُنُونِ)، وهو موضوع مهم في بابه، نظراً لما فيه من تحاقل بين العلوم والفنون، ولعل هذه العلاقة بين الشعر والفن هي شكل من ضروب هذا التحاقل؛ ولهذا جعل الفرنسي (إيتيان سوريو1979م Etienne Souriau) الأدب ضمن دائرة...

فِي المنَاهِجِ النّقدِيَّةِ: النِّقدُ الثَّقَافِيُّ

تبدو الإشكالية الأبرز في موضوع النقد الثقافي في اصطلاحه، وفي نشأته، وريادته، فالثقافية هنا ليست نعتاً للنقد فحسب، وإنما هي تحديد لمنهج نقدي طارئ، لم يكن معهوداً، أو معدوداً في جملة المناهج النقدية، وصفوة القول: إن النقد الثقافي أخذ يستمد من الثقافة مادته، مقللّاً من وهج النقد الأدبي، أو مُزيحاً له في أكثر ...

السُّعُودِيُّونَ كَسَبُوا (إِكْسبُوا)

فَازتْ رِياضُنا الحبيبة، قبل أيامٍ قريبة، باستضافة معرض (إكسبو) الدولي 2030، ويأتي فوز عاصمتنا العزيزة (الرياض) تأكيداً على الريادة التي تتبوؤها المملكة العربية السعودية في مختلف المجالات، فالرياض مدينة عظيمة لا يليق بها إلا الشيء العظيم، والمملكة العربية السعودية عظيمة لا ترضى بغير المكان العظيم، والمرتبة...

الزَّمَنُ في العُنوَانِ الرِّوَائِي

تعد الرواية العربية ذات العنوان الزمني قديمة الظهور، إذ ترجع شواهدها إلى تاريخ نشأة الرواية، فقد رأينا الزمن يلوح في الواجهة الأولى للرواية على نحوٍ واقعي معروف (الماضي والحاضر والمستقبل)، غير أننا قد نجد له أثراً آخرَ أكثر وضوحاً في المفارقات الزمنية، وأظن أن أكثر الدارسين والنقاد - العرب وغيرهم – قد انشغ...

النَّقْدُ الانفِعَالِيُّ

بُني النقد منذ نشأته قديماً على الحكم بالجودة، أو الرداءة، أو القوة، أو الضعف، ومن الطبيعي في الأحكام النقدية ظهور انطباع آخر لدى الطرف المقابل، إذ قد ينجر عن تلك الأحكام ردود أفعالٍ طبيعية، وربما ظهرت ردود أفعالٍ غريبة، وهي ردود تبدأ من عدم تقبّل الحكم النقدي، إلى رفضه، أو الاستهتار به، وربما تهجينه وتهوي...

دَرَجَاتُ النَّقْدِ الأَدَبِيِّ

الذي يتأمل مسيرة النقد الأدبي عند العرب سوف يلحظ مروره بأطوار عديدة، وأشكال مختلفة، ومن خلال تلك الأطوار والأشكال تشكّلت لدى الثقافة العربية حصيلة هائلة من الممارسات النقدية التي جعلت من النقد الأدبي أكثر ثباتاً ورسوخاً، بل أكثر تطوراً وتجدداً؛ إذ لم يقف النقد الأدبي في دائرة منغلقة، وإنما سمح لنفسه بأن يت...

المَطَالِعُ الشِّعرِيّةُ

من يتأمل مطالع القصائد في الشعر العربي يجدها لا تخرج عن شكلين: فإما أن تكون ذات إشعاع يجذب القارئ، وينير له دروب القصيدة، وإما أن تكون بيتاً عابراً موقعه الصدارة فحسب، وهنا تبدو قيمة المطلع في الشعر مهمة في كونها مفتاحاً لكل أبواب الجمال التي ينشدها الشاعر، حتى لقد أضحت المقدمة في بعض القصائد قصيدة في حد ذ...

الشِّعرُ المُوَازِنُ بَيْنَ شُعَرَاء

تعد الموازنة مبدأ من مبادئ النقد والتقويم على مستويات عدة؛ لذلك يستعين الإنسان بها في كثير من أمور حياته، ولا سيما في الجوانب المتشابهة، وتدخل الموازنة في مجالات مختلفة؛ ولذلك نراها في الحقل الإنساني، وغير الإنساني، كما نجدها في النظريات العلمية: الرياضية، والإحصائية، والكيميائية، والفيزيائية، والطبية، وغي...

الأَدَبُ البِيئِيُّ والنَّقْدُ الإيكُولُوجِيُّ

يظل الإنسان ابن بيئته، وكذا الأديب - شاعراً كان أم ناثراً - هو ابن بيئته التي وُلِد فيها، ونشأ في محيطها، وترعرع في أرجائها، وعاش في نواحيها، ودبّ على أكنافها، فتنفس هواءها، وشرب ماءها، ومشى على ترابها، وحنّ إلى أرضها، واشتاق إلى أهلها، وتضاريسها، وكل ما يذكّره بها، فالبيئة ذات ارتباط بمحل الإنسان، أو المح...

فِي جَمَاليَّاتِ العُنوَانِ البَلَاغِيِّ

يكفي القول: إن البلاغة هي الإيجاز؛ لكي نعرف مدى اتساع أفقها الجمالي؛ فالإيجاز فنٌّ صعب، إذ ليس هو قول محدود، أو عبارات قصيرة، أو كلام يسير، وإنما هو عمق، وتكثيفٌ، يؤطرهما الجمال بإطار القبول، والإعجاب؛ فمن ها هنا تنتج البلاغة، ويبرز أثرها، ويظهر جوهرها، ويُدرك عبيرها؛ ولذلك فإنهم لما أرادوا تعريف البلاغة ق...

بَعِيدَاً عن اللُّغَوِيِّينَ: الـ(تِّرِنْدُ) أَدَبِيّاً

ما زال الجدل حائماً بين اللغويين حول استعمال كلمة (ترند)، وتعريبها، وهي مرادف لرائج، أو سائد، وقد أجازت لجنة الألفاظ والأساليب بمجمع اللغة العربية في القاهرة، في يوم السبت التاسع من سبتمبر (أيلول) 2023، استخدام لفظ (التِّرِنْد)، وجمعها (ترندات)، ولا ريب فإن هذا المجمع اللغويّ يسعى من خلال هذا التعريب إلى ا...

الثَّقَافَةُ أُسلُوبُ حَيَاةٍ

عندما نريد تعريف الثقافة فإننا لا بد أن نعود إلى جذورها اللغوية الأولى، الثقافة مشتقة من مادة (ثقف)، ولو فتّشنا في معاجم اللغة القديمة، أو الحديثة، سنجد أن هذه المادة كما - في المعجم الوسيط - تشير إلى: ثَقِفَ ثقفاً: صَار حاذقاً فطناً، فَهُوَ ثقف، وثقف العلم والصناعة: حذقهما، وثقف َالرجل فِي الْحَرْب: أدْرك...

الوَطَنُ العَظِيمُ

في عيدك الثالث والتسعين يا وطني، تمرّ بنا ذكرياتك الجميلة، فنستعرض أمجادك العظمية، ونتذكر رجالك المخلصين، وحكّامك الأشاوس، وأرضك الطاهرة، وترابك النقي، وأهلك الطيبين، وكل من أحبك وأحببته، وسموتَ به، فسما بك. أنت يا وطني عظيم، لست كأي وطن، أنت مهبط الإسلام، ومستقر الرسالة الخالدة، ومنبع العربية الصافي، ومور...

حُزْنُ الشَّجَرِ

ذاتَ يومٍ وجدتُ شجرتي مخضّرةً مورقة، كانت بهيّة الطلعة، ممشوقة العُود، لكنني حينما عدتُ إليها بعد أيام قليلة، ألفيتها مطرقةً، شاحبةً، كأن الحزن يعتصرها، والألم يعتورها، فتأثرتُ لحالها، وفكّرتُ في رثائها، وقلتُ في نفسي: هل يحزن الشجر؟ ثم تذكّرت أن الأدب تعبير إنساني عن الكون، والحياة، ومظاهر الطبيعة؟! ألم ي...

فِي تَدَاوُلِيَّةِ التَّصرَّفَات

تقوم التداولية في أصلها على التواصل من خلال اللغة؛ ولهذا يعرّفها كثير من النقاد بأنها (علم استعمال اللغة)، وتوظيفها فيما يخدم السياق، والمقام، وأطراف التخاطب، غير أنها قد تخرج قليلاً عن نسقها اللغوي العام إلى نسق آخر غير لغوي، ويدخل ضمن ذلك أشكال كثيرة من التواصل غير اللغوي، كالإشارات، والأصوات، والحركات، ...

مَلاَمِحُ فِيزيائِيّةٌ في شِعْرِ المُعَلّقَاتِ

يمكن أن نتلمّس الطبيعة الفيزيائية داخل الشعر العربي القديم، وذلك من خلال نماذج كثيرة، منها نموذج المعلقات؛ بوصفها إرثاً شعرياً عظيماً، يعجّ بالكثير من الظواهر الفيزيائية، ولعل من ذلك وجود إشارات شعرية إلى الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم، والمجرات، والغيوم، والسحاب، والأمطار، والصحاري، والقفار، والج...

الاِبتِسَامَةُ مَوضُوعاً أَدَبِيِّاً

الابتسامةُ عنوانٌ جميل في الحياة، يصحّ أن تكون شعاراً وإطاراً، أو بروازاً وطرازاً، إنها الحل الأجمل، والأمثل، والأفضل، لمن فقد كل الحلول، ولولا فضل الابتسامة، ومفعولها الناجع، وأثرها النافع، لما حثَّت عليها الأعراف الجميلة، والأخلاق الطيبة، والخصال الحميدة، بل لقد جاء ذكرها في القرآن الكريم، في قوله تعا...

تَنَاصُّ الأَشيَاءِ

يتوجّه الذهن مباشرة عند سماع كلمة (التناص) إلى تلك النصوص المتشابهة فيما بينها، وهذا هو الأصل في مفهوم التناص الذي انبثق من اقتراح الناقدة البلغارية الفرنسية (جوليا كريستيفا Julia Kristeva) في خطاباتها النقدية التي كانت تطرحها في أواخر الستينات الميلادية، ومعروف أن هذا المصطلح النقدي (التناص) قد حاول فرض ن...

تَعْرِيفُ الشُّعَرَاءِ بِأَنفُسِهِم في قَصَائِدِهِم

هناك ظاهرة في الشعر العربي لطيفة طريفة، ربما لم يتنبّه لها الباحثون والنقاد كثيراً، وهي أن يَذكُرَ الشاعرُ نَفْسَهَ في قصيدته، فيعرّف باسمه، أو بلقبه، أو بكنيته، أو بصفةٍ من صفاته، أو بما عُرِف عنه، أو شُهِر به، وأظنُّ أن مثل هذا اللون من التعريف موجود عند الشعراء منذ القديم، بل رأيناه في صفوة أشعارهم، كما...

وَلَا سِيَّمَا

تمر بنا ألفاظ كثيرة في لغتنا العربية تحتاج إلى وقوف وتأمل، ولعل من بين تلك الألفاظ مثلاً كلمة (ولا سِيَّما)، التي تعني (ولا مثل)، وقد اختلف اللغويون حول تجريدها من الواو، و(لا)، أو اقترانهما بها، لكن الاستعمال العربي القديم أشار إلى حضورها معهما، وذلك في قول امرئ القيس من معلقته الشهيرة: (أَلا رُبَّ يَومٍ ...