حسين علي حسين


حقيبة في يد مسافر

معاشرتي للحقائب لها الآن أكثر من نصف قرن؛ وكان أول أمري معها عندما رحلت من المدينة المنورة مفارقاً الأهل والخلان للاستقرار في الرياض، وكانت حقيبة لا تدري أين تضعها، عندما تشرع في تصنيف حقائب المسافرين؛ فقد صنعت من مادة ليست من الجلد ولا من البلاستيك، وكانت تصدر رنيناً يشبه رنين آلات الموسيقى النحاسية، عندم...

مقاضي البيت

عندي، منذ وعيت، هوايات عديدة، ظلت تتقلص حتى انحصرت في ثلاث هوايات، وهي القراءة، والكتابة، وتأمين مقاضي البيت. وكنت وما زلت أمارس هذه الهوايات يوميا؛ فمن النادر أن لا أقرا، أو أكتب، أو أتسوق يوميا حتى لو لم يكن منزلي بحاجة ملحة، لغرض أو حاجة للبيت؛ وسوف أترك القراءة والكتابة؛ لأتحدث عن هواية التسوق وهي هواي...

عبدالله مناع

في بداية السبعينات الميلادية ذهبت من المدينة المنورة إلى جدة، وكنت للتو قد بدأت كتابة ونشر القصص، وكنت في تلك الرحلة حريصا على مقابلة من كنت أقرأ لهم، وكان دليلي إلى هؤلاء، من هم من جيلي من كتاب للقصة، وقد ذهبت في أول أيامي صحبة هؤلاء الأصدقاء، إلى زيارة "الدكتور عبدالله مناع". كانت العيادة التي يعمل فيها ...

السوس

من أظرف المرتشين، ذلك المدير أو المسؤول المرتشي الذي استقبل راشيه الخجول، الذي لم يجرؤ على تقديم الرشوة له علنا، أو على الأقل يشعره بها قبل تقديمها له، فغافله وهو يجلس على كرسي بجانب مكتبه، وكأنه ينتظر البت في معاملته، وأثناء جلوسه وبخفة رمى تحت رجليه مبلغا من المال، قائلا بخجل، وكأنه يلفت نظره إلى شيء سقط...

كورونا.. تجربة شخصية

ليس سهلا على المرء أن يكون حبيس بيته، أو يحرم من زيارة الأصدقاء، أو من الجلوس في المقهى، وليس سهلا على المرء أن يدير حديثا من خلف كمامة، وفوق ذلك كله، قلق مقيم مع النظافة والملامسة وحتى الهواء الطائر، لكن هذا ما فرضته علينا كورنا، وقد سمعنا وأطعنا ما طلب منا من تحوطات، فلا خيار أمامنا إذا كنا من العاصين إل...

حكاية الفيديو!

خصص الدكتور "جلال أمين" فصلا في كتابه "مكتوب على الجبين"، عن علاقة "الفيديو" بغزو صدام لدولة الكويت (2 أغسطس 1990 - 28 فبراير 1991م)، وكان قبل ذلك قد تطرق باختصار لنفس الموضوع في كتابه "رحيق العمر"؛ وقد رصد من خلال الفصلين ولع الناس بهذا الجهاز العجيب، الذي كان حديثا في ذلك الوقت، وتعلقهم به حتى أنه كان من...

البيت

منذ عرفت نفسي وأنا أشعر، أنني من حيث العادات والتقاليد اليومية العامة، وليس الطموحات، أتحرك في المنطقة الوسط، ومعي، دون شك، كثر من خلق الله الذين يدبون على وجه البسيطة، فلم أكن فقيرا أو غنيا في وقت ما، ولم أكن أحب الجلوس في البيت أو خارجه بإفراط، ولم أكن أغشى المقاهي والأسواق والنوادي والمناسبات، إلا لدعوة...

غرفة النوم!

أنا من جيل لم يعرف غرفة النوم، جيل سليم أو خالي الطوية؛ آباؤهم وأمهاتهم ينامون مع أبنائهم، فلم تكن هناك غرفة ينام فيها الزوجان معاً، بعيداً عن مثيري الشغب، من الأبناء والبنات، وهواة الاتصالات الهاتفية في أنصاف الليالي. يحصل ذلك كيف، وغرف النوم والأسرة والكهرباء والهاتف، لم تعرف طريقها إليهم في تلك الأيام ا...

حارس المدير

ما الفرق بين حارس مرمى فريق كرة القدم، ورجال المال والأعمال، وحارس مكتب الوزير، وبالذات الذي يتولى وزارة خدمية، أو وكيل الوزارة، أو المدير العام، وحارس مدرسة البنات أو البنين، حتى حارس المستودعات؛ يجمع بين كل هؤلاء التكتم على ما لديهم من تعليمات مبلغة من المدير، وكذلك تكفلهم بإدخال المرغوب فيهم من قبل الم...

ملامح الإنسان "الكوروني"

1 - عند انتهاء أو تقلص إصابات جائحة "كورونا"، سوف يظل الإنسان في مشارق الأرض ومغاربها، إذا لم يكن نزقاً متهوراً؛ حذراً متردداً، وهو يمد يده للمصافحة أو خده للتقبيل، وإذا قبل ذلك، فإنه سوف يكون حريصاً على غسل أماكن التماس، في أقرب مكان للغسل، وسوف تحرص هذه الفئات، على عدم التخلي عن اصطحاب المطهرات في جيوبها...

اربط الحزام

أول أمري مع السفر، كان في رحلة حج من المدينة إلى مكة، وكنت صغيرا غير مكلف بصحبة والدي، وكانت وسيلة السفر شاحنة كبيرة، قسمت قبل ركوبها إلى دورين بواسطة ألواح من الخشب المتين، أرضي للنساء وأول للرجال، وقد علقت على جانبي هذه الشاحنة قرب الماء والأباريق وخشب لسند الخيام عند نصبها في المشاعر، وبجانب الرجال طبقت...

أستاذ كرسي!

في الجامعات والمعاهد العليا، تتدرج رتب المدرسين حتى ينال أحدهم رتبة "أستاذ كرسي"، وهناك كراسي في هذه المعاهد والجامعات، لعلوم وآداب عديدة، تتولى الصرف عليها الدول والأفراد والشركات والجمعيات؛ ليقوم العاملون تحت لوائها بالبحث والتنقيب في المهام المنوطة بكراسيهم. هذا دور واحد من الأدوار التي تباشر تحت لواء...

خلف الأبواب

عرفت المدن والأحياء والناس الأبواب، مادياً ومعنوياً، منذ وقت مبكر، مادياً كانت ترمز الأبواب إلى وجود لون من ألوان السيطرة من الجهات المختصة على الأمن العام للأحياء والمنازل ضد اللصوص والفضوليين، من هنا كان الحرص على أن تحصن مداخل المدن بالأبواب والحراس الذين قد يوجدون خلفها وأمامها، وقد كان لكل حارة من حار...

واستقرت بها النوى

"من الذكريات التي لا يمكن أن أنساها أن رجلاً هندياً من أقارب الشيخ علي كان يبدو عليه الثراء، جاء حين كنا ندرس في الكتاب في المسجد في صباح أحد الأيام الشاتية، وجمعنا، ومدّ سفرة وضع هو ومساعدوه عليها أنواعاً من الأجبان والألبان والحلويات والخبز وأشكالاً أخرى من المآكل التي لم يكن معظمنا يعرفها، ودعانا إلى ال...

ترقيد التمر

حتى قبل وفاته بسنوات، كان والدي -رحمه الله- يشتري في كل صيف إنتاج بلاد "مزرعة" من بلدان المدينة المنورة، وهذا الشراء يجعل أسرتنا الصغيرة كلها تنزح من وسط المدينة إلى ريفها طوال فصل الصيف، وفي "البلاد" كنا ننعم بالجو اللطيف والخضرة والسباحة في البركة. وشراء الصيف أو إنتاج "البلاد" يعني الالتزام بأجور العا...

البلاد

في الحجاز، تسمى المزرعة أو الحديقة، بلاداً! وهي تسمية كبيرة ذات دلالات كثيرة، حضارية واجتماعية واقتصادية؛ ففي علم الحضارات ينظر إلى المناطق الكثيرة الزرع أنها مناطق حضارية ذات تأريخ ضارب في القدم؛ لوجود الأنهار أو الأمطار أو وفرة المياه الجوفية. هذه الخاصية ليست موجودة على الدوام في المناطق الغالب عليها ...

من بلاط صاحبة الجلالة

تضعنا الموضوعات التي ناقشها "إياد أمين مدني" في عديد من الصحف المحلية، في أوقات متفاوتة، ثم أعاد مراجعتها أو تحريرها ونشرها ضمن كتابه "من بلاط صاحبة الجلالة"؛ تضعنا هذه الموضوعات، بدءاً، أمام مبدع في يده كاميرا بالغة الدقة والحساسية يسلطها حيث حل، بحرفية عالية، على لواعج الغيوم والشجر والبشر، حتى إنني بعد ...

أرباح الكتب

لأن المتعوس متعوس، حتى لو علقوا في رقبته فانوس (كما يقولون)، فقد قررت، بطوعي واختياري، عندما ودعت الوظيفة الحكومية قبل تمام خدمتي النظامية بخمسة عشر عاما أن أمارس عملا أحبه ليسند إيراده أو أرباحه المعاش الزهيد الذي عاد لي بعد تقاعدي المبكر دون أن يخطر في البال عمل من الأعمال التي تؤكل العسل والزبدة؛ معتقدا...

الجميلات النائمات!

لا يمكن الحديث عن المنجز الروائي الياباني دون التوقف عند رواية "الجميلات النائمات" للروائي الياباني غريب الأطوار "ياسوناري كاواباتا". وهذا ليس رأيي فقط، ولكنه رأي عمالقة الإبداع الروائي على مستوى العالم، يقول "غابرييل غارسيا ماركيز" مؤلف الرواية الذائعة الصيت "مئة عام من العزلة" والحائز على جائزة نوبل، عن ...

قهوة الصّباح

أبي من جذور فلاحية، وكان عند هؤلاء الفلاحين ولع خاص بالقهوة العربية، وقد أخذ عنهم والدي بعض هذا الولع، فكان يضع الكانون في مجلسه، وعليه دلة أو دلتان للقهوة، وبجانبه النجر والمروحة والبن والهيل؛ وكان يحرص على تجهيز قهوته بنفسه، لأن هذا الأمر لم يكن من شؤون النساء... وكان موعد هذه القهوة غالباً بعد صلاة الفج...

في غياب الورق!

قبل أكثر من عام وجدت نفسي في مأزق مع الكتابة، كافة وسائل الإعلام، وعديد من المصالح العامة والخاصة، تخلت عن استخدام الورق، حتى الصحف، لم تعد تستقبل المقالات مخطوطة؛ عليك باستخدام الكمبيوتر وإرسال ما تكتب بواسطة الإيميل، مع إطلالة هذه المستحدثات، كنت أستعين بالنساخ، في كتابة مخطوطاتي من المقالات والقصص بواسط...

القوة الناعمة

ما القوة الناعمة التي ينبغي أن تحافظ عليها وترعاها أي دولة من الدول حتى تعود عليها بالفوائد المادية والمعنوية؟، هناك دول ليس عندها صناعة، ولا غاز، أو بترول، أو معادن؛ ولكن عندها جو معتدل، أو لطيف في كافة الفصول، جو يزيد جماله بالجبال، والخضرة، والأمطار، والآثار والعادات والتقاليد التي لا نظير لها في الدول ...

شبيك لبيك!

أنت الآن في عصر ذي وتيرة متسارعة، ولن تقلق إذا وجدت نفسك، أو ابنك، أو حفيدك، قعيد البيت، واحتياجاته كافة مقضية، وهو ممدد الرجلين واليدين، يبحلق في الكمبيوتر، الذي أصبح يقوم مقام الهاتف، والجوال، والإذاعة، والسينما، والمسرح؛ فمن خلاله تستطيع الاستعانة بأمم وخلائق، يكونون طوع بنانك، بدراهم معدودة؛ وإذا قضيت ...

حال العواصم

اتخذت مدينة الرياض لي مقرا منذ نصف قرن، فقد أتيتها بواسطة سيارة تاكسي متهالكة وأنا دون العشرين، وخلال وجودي فيها سكنت في الحلة والغرابي والخزان (حي الوشام) وحوطة خالد وشارع عسير والمرسلات والصحافة. سكنت في عمارات وبيوت شعبية وفلل، وفي وسطها وعلى أطرافها. وطفت أغلب المدن الصغيرة والقرى والهجر التابعة لمنطقت...

بطن الأم وبطن المجتمع

ينزل الإنسان من بطن أمه قطعة حمراء مكسوة بالدم والعروق، ليجد أمامه، وهو يدرك رويدا رويدا ما يحيط به؛ عرقه، ومذهبه، وعقيدته، وموقعه، أشياء كثيرة متشابكة، لم يشارك في خياطتها ولا في تشكيلها أو تلوينها أو الإضافة إليها؛ أشياء لا خيار له فيها، سيجد بعد حين أنها تجري فيه مجرى الدم في العروق، لا فكاك منها ولا قد...

هؤلاء الكبار.. د. علي الراعي

منذ سنوات طويلة أصدرت مجموعتي القصصية الثانية (ترنيمة الرجل المطارد)، وبعثت نسخاً منها لعديد من الكتاب والنقاد والصحف في الداخل والخارج، لعل أحداً يكتب عنها خبراً أو نقداً، وكان من ضمن هؤلاء الناقد الكبير الدكتور علي الراعي (1920/1999م)، الذي كان ينشر في ذلك الوقت سلسلة دراسات ومراجعات نقدية عن القصص والرو...

أسطوانة مشروخة.. «علّمناكم»

فتحت عيني على الدنيا، وأصبحت شابا، ثم كهلا، ثم عجوزا، دون أن تغيب فلسطين، وقضية فلسطين عني؛ فنحن في مدارسنا حتى الابتدائية منها، ندرس ونختبر في قضيتها. ونحن منطلقين من دافع أمة عربية واحدة، نعطي الأولوية في استقبال من يرغب من أبنائها، في أن يكون بيننا. ونحن نتبرع لفلسطين من مصاريفنا المدرسية، ومن ميزانيات ...

مالئ الدنيا وشاغل الناس

هذا هو لبنان باختصار شديد، ولم يستطع أحد تغيير هذه المعادلة؛ ففي لبنان وحدها كنت تجد الكاتب الفرعون، الذي يفتخر علناً بأنه يقبض لكي لا يكتب، ويقبض لكي يكتب! وفي لبنان وحده كانت عديد من الدول تصفي خصومها، ودائماً الفاعل مجهول.. وفي لبنان استطاع زعيم فلسطيني راحل أن يقف أمام وسائل الأعلام ليقول بالفم المليان...

"الصيف" ضيعت الراحة!

تعودت عندما يحل الصيف، أن تكون رياضة المشي التي أمارسها يوميا بعد منتصف الليل، ومن أبرز أسباب اختيار هذا الوقت الحرج بالنسبة لكثير من الناس، هو أن أعود إلى البيت بعد مشوار المشي منهكا، وليس لي من مطلب، إلا التمدد في السرير، انتظارا للنوم العزيز النفس أو المتكبر، الذي لا يلبي طلبات طلابه أو عشاقه بسهولة ويس...

اختفاء العمدة!

العمدة مازال موجوداً حتى الآن، وإن كان أشبه بالخيال، إذا قيس بعمدة الأيام الماضية؛ العمدة الآن ربما لا يعرف سكان الحي، الذي يمثله أو يسأل عنه؛ العمدة الآن (إذا لم يكن قد اختفى) كانت مهمته رمزية. يحضر إلى مركز الشرطة في الحي المكلف تمثيله، لتستعين به الشرطة في بعض الأمور، التي قد تعرض لها فيما يخص الحي أو س...