السبب الرئيس (الذي لم يعطه المحللون الغربيون الأهمية الكافية) لانخفاض أسعار البترول منذ منتصف هذا العام 2014 حتى الآن هو ارتفاع مؤشر سعر صرف الدولار الذي كان بمثابة الشرارة الأولى التي تسببت في إشعال العوامل الأخرى (الناتجة بدورها من ارتفاع الدولار كما سنوضح أدناه) فأدّت مجتمعة الى انخفاض الطلب على البترول وبالتالي حدوث الفوائض في السوق فانخفض سعر بترول برنت الخام تدريجيا من أكثر من 115.06 دولارا للبرميل في منتصف شهر يولية الماضي الى أقل من 80 دولارا للبرميل (أي بنسبة أكثر من 30 %) أثناء كتابة هذا المقال.

معظم المحللين يقولون ان سبب انخفاض سعر البترول هو انخفاض الطلب وزيادة العرض وهذا الشيء بديهي يعرفه الجميع ولا خلاف عليه. ولكنهم عندما تسألهم المذيعة ماهو سبب انخفاض الطلب على البترول يكون جوابهم ان السبب هو انخفاض نمو الاقتصاد العالمي. وعندما تسألهم المذيعة وماهو سبب زيادة عرض البترول يكون جوابهم زيادة إنتاج امريكا للبترول الصخري.

سنناقش باختصار مدى مصداقية ان انخفاض النمو هو السبب الأساس في انخفاض الطلب على البترول ومدى مصداقية ان زيادة انتاج البترول الصخري هو السبب في زيادة عرض البترول:

اولا: صحيح ان انخفاض النمو الاقتصادي يرافقه انخفاض الطلب على البترول ولكن الشيء الذي لم يذكره هؤلاء المحللون هو أن سبب انخفاض نمو الاقتصاد العالمي الحالي هو بسبب انخفاض استهلاكهم للبترول الذي سبّبه أساسا ارتفاع سعر صرف الدولار.

هذه العلاقة السببية بين انخفاض النمو الاقتصادي وانخفاض استهلاك البترول كانت مدار جدال بين علماء اقتصاديات التنمية خلال السبعينيات حيث كان التساؤل هو ايهما السبب وأيهما النتيجة أي هل انخفاض استهلاك البترول هو الذي يؤدي الى انخفاض معدلات النمو أو أن انخفاض النمو هو الذي يؤدي الى انخفاض استهلاك البترول (حزّورة البيضة والدجاجة).

هذا الغموض في العلاقة بين استهلاك البترول وزيادة معدلات النمو الاقتصادي يرجع الى ما يسمى السببية المتبادلةMutual causality التي تربط بينهما. فلقد لاحظ الاقتصاديون منذ الاكتشافات الأولى الكبيرة للبترول واستخدامه كبديل لمصادر الطاقة الأخرى أدى الى ثورة غير مسبوقة في التاريخ الى النمو الاقتصادي في الدول التي سبقت الدول الأخرى في تحولها من استخدام الفحم الى استخدام البترول. هذه الظاهرة أصبحت الآن مسلما بها فأوّل شيء تشتكي منه منظمات الدول المستوردة للبترول عند ارتفاع أسعاره بأنه سيؤدي الى إعاقة النمو الاقتصادي في العالم.

ثانيا: لا احد ينكر أن انتاج البترول الصخري الامريكي أخذ يزداد تدريجيا من لا شيء تقريبا قبل عام 2000 الى ان وصل هذا العام حوالي 3.5 ملايين برميل في اليوم ولكن يجب ان نعرف ان انتاج امريكا من البترول التقليدي بدأ ينخفض تدريجيا خلال نفس الفترة بحيث أصبحت الزيادة الصافية بعد تعويض الانخفاض لا تتجاوز المليون برميل ولم يظهر لها أي تأثير على الإخلال بالتوازن بين العرض والطلب فحافظت الأسعار حتى يوليه (قبل اربعة شهور) على مستواها فوق 110 دولارات للبرميل.

الخلاصة: واضح أن التغير الجديد (الوحيد) الذي طرأ على أساسيات اسواق البترول منذ يوليو (قبل اربعة شهور) هو الارتفاع المفاجئ لسعر صرف الدولار فأدى الى انخفاض طلب (استهلاك) البترول الذي بدوره أدى لانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وهذا أيضا بدوره أدى الى مزيد من انخفاض الطلب على البترول فانخفضت أسعار البترول من 115.06 الى أقل من 80 دولارا.

هكذا إذن السبب الأساس (الشرارة الأولى) لانخفاض الطلب على البترول وبالتالي انخفاض أسعار البترول الحالي هو ارتفاع سعر صرف الدولار.

موضوع زاوية الأحد القادم – إن شاء الله – بعنوان: "أساسيات الطلب على البترول".