تأريخ العقل الإنساني تُمسك به مصطلحات لفظية، وهي دائمة ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل، وإن لبست أثواباً مختلفة حسب لغات البشر ولهجات أممهم؛ فالأرض اللفظ ما زالت هي الأرض منذ خلق الله آدم، والعقل اللفظ هو العقل منذ عصر الخليقة الأول، وكذا هي حال الفضاء. تلك ثلاثة من المصطلحات، وغيرها كثير جداً، لم تتغير في تأريخ الإنسان، ومراحل تطوره، بقي الناس يرددونها، ويتحدثون بها؛ لكن الذي اختلف، وتغيّر، وتبدّل، هو المحتوى الذي أصبحت هذه المصطلحات تحمله في كل عصر، وتحتضنه في كل زمن، ونحن إذا نظرنا إلى موقف الناس من الأرض؛ فهم جملة مؤمنون بوجودها، ومدركون لها؛ لكنهم يختلفون اختلافاً كبيراً في فهمها، ووعي ما عليها، وإدراك قوانينها وسننها، ففهم إنسان الأدغال لهذا المصطلح (الأرض) يختلف كثيراً عن إنسان نشأ في حواضر العلم، وتلقى المعرفة في مدارسها.

مصطلح النص الوارد في العنوان «أل» فيه جنسية، فهو يشمل النصوص الدينية كلها، هو النص قبل أن يتعامل معه عقل المسلم، ويقوم عبر الوسائل العقلية بتصفيته، وتشذيبه، ذاك نص كان ثرياً ومتنوعاً، وكانت علاقته مع الواقع الإسلامي الأول علاقة جدلية

ومثل ذاك يقال عن مفهوم العقل؛ فالناس جميعا متحدون على الإيمان بهذا اللفظ، والحديث عنه، ومجموعون على دعوى الاتصاف به؛ لكنهم يختلفون اختلافاً عظيماً في تصوره، وفي مرادهم منه، ومثل ذا يجري في كل المصطلحات تقريباً؛ إذ لها لفظ مكرور عند الجميع؛ لكن معانيها تتغير، ويدخل عليها التبديل، وتصيبها سنة التحول؛ فالبشر يتفقون على الألفاظ، ويجتمعون عليها؛ لكنهم يختلفون في المعاني التي يُودعونها فيها، ويتباينون في الدلالات التي يستحضرونها عند ذكرها، هذه هي حالنا مع كثير من المصطلحات، وهي حال نراها في ألفاظ الدين ومصطلحاته أيضا! ولكن كيف ذلك؟

جميع المسلمين يرددون مصطلح النص، ويعتمدون عليه، ويلجأون حين فهم الدين إليه؛ فالإيمان بالنص جملةً مشتركة بينهم، وصفة تجمعهم؛ لكنهم يختلفون في ما يأخذونه منه، وفي ما تقودهم عقولهم إلى فهمه بعد النظر فيه، وهذا سبب من أسباب جدل المسلمين قديما وحديثا؛ فهو جدل لا يُرد إلى الرفض الكلي للنص، وإنما غاية ما فيه أنهم يختلفون في انتخابهم منه، وفهمهم عنه، وهذا العمل يقوم به الجميع، ولا يستطيع أحد أن ينفيه عن نفسه، وأقصد بهذا أن كل فريق من المسلمين يدع أفراداً من النص، ويحتج بأخرى؛ لكنه يتخذ العمل العقلي في تسويغ ما يأتيه، ويلجأ إليه حين التعامل مع منظومة النص، ونتيجة هذا أنّ منظومة النص الكبرى جرى لها فلترة على أيدي جميع المسلمين؛ فكلهم أخذ من النص وترك، وكلهم اصطفى منه ما يُؤيّد قوله الذي اختاره، وذهب إليه، وترك البقية؛ لكنه تركها بتدبير صنعها بها، فحيّدها بذلك، ولم يروها بعد ذلك لأتباعه، والقائلين بمذهبه، وإنما اكتفى بما يُشاكل قوله، وينصر رأيه، ويُقوي حجته.

مصطلح النص الوارد في العنوان "أل" فيه جنسية، فهو يشمل النصوص الدينية كلها، هو النص قبل أن يتعامل معه عقل المسلم، ويقوم عبر الوسائل العقلية بتصفيته، وتشذيبه، ذاك نص كان ثرياً ومتنوعاً، وكانت علاقته مع الواقع الإسلامي الأول علاقة جدلية، تُظهر أنه كان نصاً يراعي الواقع، ويأخذ به، ولم يأت فقط؛ ليرغمه، ويأسره، ويُحدد وِجهته؛ فالنص يُؤثر في الواقع، ويتأثر به؛ لكن شرط ذلك أن ننظر إلى النص بكليته وعمومه، ولا نكتفي بالنظر إلى ما يُمكن تسميته بالنص المذهبي الذي انتخبه كل مذهب من مدونة النص الكبرى.

النص الذي ورثه المسلمون، وأقصد بهذا النص ذا الفاعلية في الحياة، النص التي تبنى عليه الفتوى، وتسير وفقه أمور المسلمين، هو نص منتخب من النص الكلي العام! والحال مع النص الديني حينئذ في الإسلام تُشبه حالة رجال الدين المسيحي مع العالم المحيط بهم، فهمهم له، وصورته عندهم!.

هم فهموا العالم وفق النظريات التي نقلها أرسطو، فأصبح العالم هو عالم أرسطو، وليس العالم الذي سيُشاهده الناس جميعاً خلال أحقاب التأريخ البشري الممتدة، ويتعرّفون عليه، ويستطيعون التعلم منه؛ لقد اصطفى رجال الدين المسيحي صورةً عن العالم، حبسوا فيها لفظ (العالم) في معنى واحد، وأبوا على الناس بعد أرسطو أن يُشكلوا صورة أخرى لهذا اللفظ، ويخرجوا بمعنى غير ما تقدّم؛ لقد ابتغوا أن يُغلقوا أمام الناس باب الاستقلال في فهم هذا العالم المحيط بهم! لكن الناس لم يصغوا إلى تهديدهم ووعيدهم، بل قاموا بمغامرة جديدة، تخلّق منها للعالم معنى جديد، وصورة أخرى لهذا العالم الذي يعيشون فيه.

كان رجال الدين في السربون زمن ديكارت يُقدمون للمحاكمة كل من يقول: إن العالم له صفات أخر، غير تلك التي عرفها أرسطو قبل الميلاد بأكثر من ثلاثة قرون! إنهم أرادوا أن يحجروا على الناس فيما يفهمونه من العالم المحيط بهم، وتلك هي الحال مع النص الديني الإسلامي؛ إذ منع النص المذهبي المفلتر المسلمين من أن يبدأوا مغامرة جديدة، تكون غايتها إعادة تشكيل صورة النص الديني من جديد عندهم؛ لقد اكتفى المسلمون في جميع المذاهب بالتصور الذي قدّمه أسلافهم عن النص، ورأوا أن من ضياع الوقت أن يقوموا بمغامرة جديدة في رحابه.

كنتُ حدّثت السادة القراء أنني سأعرض عليهم نصوصاً حديثية، من موطأ مالك، تُظهر أن الواقع كان له دور في بناء مدونة النص، وهي القضية التي يرفضها عندي التصور الفقهي للنص؛ لأنه يرى النصوص كلها وحياً إلهياً خالصاً، وأن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ لم يكن يأمر وينهى إلا بوحي يأتيه به جبرائيل _ عليه الصلاة والسلام _ وهذه النماذج التي سأضعها بين أيديكم ستظهر خلاف هذا المعنى، وتُثبت معنى جديداً، يجعلني أنظر إلى النص الكلي نظرة مختلفة.

وخلاصة هذه الأحاديث أن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ كان يراعي في فتاويه واقع المسلمين، وينطلق منه في توجيههم، والمتبادر لي حين قرأت هذه الروايات أنه كان يتوقع منهم أن يدركوا هذا المعنى، ويفطنوا له، فلا يغيب عنهم أنه حين أمرهم أو نهاهم كان يقصد إلى ربط هذا الأمر أو ذاك النهي بظرف يمرون به، وحالة يعيشونها، وإليكم أمثلة ذلك.

جاء في موطأ مالك (باب جامع ما جاء في الرضاعة)، وهو حديث يرويه مسلم أيضا، أن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ قال:" لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذَكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم". قال مالك: والغيلة أن يمسّ الرجل امرأته، وهي ترضع. هذا الحديث فيه دلالة على أن الرسول _ عليه السلام_ كان يأمر وينهى حسب ما يبدو لرأيه، ويترجح عنده، ولم يكن هذا معدوداً من الدين والوحي؛ لأنه رأي يراه، وقول يميل إليه حسب تجربته وخبرته، ويُوضح هذا المعنى أكثر قوله:" ذكرتُ"، ومعنى هذا أنه لو لم يذكر حال فارس وروم لكان نهى عن إتيان المرضع، ولبقينا بعده في جدل مستمر؛ لأننا لم نُدرك العلة التي من أجلها جاء النهي، ومما يُتوقف عنده في هذا السياق أنّ الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ حسب هذه الرواية ذهب به تفكيره إلى فارس وروم، ولم ينظر في نفسه والعرب المحيطين به؛ إذ صريح الرواية أنهم كانوا يفعلون هذا الأمر.

وورد في الموطأ (باب ادخار لحوم الأضاحي)، وهو حديث يرويه مسلم أيضاً، أن عمرة بن عبدالرحمن قالت:" سمعت عائشة، زوج النبي _ عليه السلام _، تقول: دفّ ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله فقال:" ادّخروا لثلاث، وتصدّقوا بما بقي". قال:" فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله: لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم، وهم يجملون منها الودك، ويتّخذون منها الأسقية. فقال: وما ذلك؟ أو كما قال. قالوا: نهيتَ عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث. فقال:" إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفّت عليكم، فكلوا وتصدّقوا وادّخروا". والدافة: قوم مساكين قدموا المدينة.

يبدو من هذا الحديث أن الرسول _ عليه الصلاة والسلام _ كان ينهى المسلمين نهياً موقتاً، مرتبطاً بحدث عارض زائل، ويكون مراده من ذلك الحكم مواساة فريق من المسلمين، وصوغ حكم شرعي يتلاءم مع حالهم، وكان يخال الحاضرين من حوله يدركون هذا المعنى (المراعاة) من تلقاء أنفسهم، وليسوا بحاجة إلى من يُذّكرهم، ويشهد لهذا أنه لم يُبين لهم ذلك وقت النهي، وقد علمنا أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع عليه، فلم يبق إلا أن يكون _ عليه الصلاة والسلام _ ظن أن ذلك مما تنبغي معرفته، ويلزم إدراكه، ولا يحتاج الناس إلى تبيانه.

وآخر الشواهد شاهد أثار ضجة كبرى، وعجب منه كثير من الناس، وهو ما رواه مالك في موطئه (باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر)، ورواه مسلم في صحيحه أيضا، وهو حديث رضاع الكبير، وفيه:" جاءت سهلة بنت سهيل، وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي، إلى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فقالت: يا رسول الله كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليّ وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال رسول الله:" أرضعيه خمس رضعات، فيحرم بلبنها" وكانت تراه ابناً من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تُحب أن يدخل عليها من الرجال، ...، وأبى سائر أزواج النبي _ عليه السلام _ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس. وقلن: لا والله؛ ما نرى الذي أمر به رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله في رضاعة سالم وحده...".

في هذا الحديث يُقرر الرسول الكريم سُنّة دينية، قوامها مراعاة أحوال أفراد المسلمين، وبها يظهر أن النص ينحاز للمسلم، ويراعي ظروفه؛ ولو كان في تلك المراعاة مخالفة الأعراف، ومجانبة ما تميل إليه الأنفس.

تُظهر هذه النماذج أنّ النص فيه أمران؛ أولهما اجتهاده عليه السلام في شؤون الحياة، وأنه لم يكن فقط مُبلغاً عن الله؛ كما في حديث الغيلة، وكان اجتهاده ينبع من الواقع، وهو يتحيّن ما ينفع المسلمين، ويُحقق لهم السلامة البدنية.

وثانيهما أن النص يُعطي أهمية لواقع المسلم وظروفه، وأنه جاء لمصلحته؛ كما جاء لرسم طريقه إلى ربه، وهما أمران يُظهران النص العام في صورة تختلف عن الصورة التي يبدو عليه النص المذهبي الذي كوّن لدينا أن النص كان مجموعة من الأوامر والنواهي، المفارقة للزمان والمكان، وأن الرسول كان يقوم بدور المبلغ وحده، ومن الظاهر أن عمل الرسول _ عليه الصلاة والسلام_ في هذه الروايات، وما يُشبهها، يُعد سنة منهجية نبوية، ما كان لنا أن نغفل عنها، ومن الغفلة عندي أن تُعدّ هذه الوقائع من قبيل الامتيازات الدينية التي تُمنح لبعض الأفراد؛ كما في رأي أمهات المؤمنين المخالفات لرأي عائشة، وبمثل هذه المواقف تُؤول سنة كاملة، ورؤية منهجية، وليس نصاً فردياً يتعلق بهذه القضية أو تلك، ويبقى النص بهذا التأويل بعيداً عن التأثر بواقع المسلم وأحواله، ويُصبح الواقع غير ذي قيمة مستقلة دينياً، فلا غرابة حينها أن ينشغل المسلم بالنص، ويذر فهم الواقع، وما يدعوه إليه، ولا غرابة أن تكون مراعاة حال المخاطب دينياً من قبيل الضرائر التي يُنتظر زوالها، ويُرجى ارتفاعها، ويضحي الواقع غير ذي بال في ثقافة المسلمين!.