لم يتبين حسن مدى صبر زوجته وأبنائه على عصبيته وعنفوانه في التربية, لم يكن أباً مثالياً كمثل الآباء في الحارة, جٌل اهتمامه تلك السهرات في مجلس أحمد المُطل على الشارع مع ثُلة من اصدقائهم البعيدين عن الحي, يسهرون على سماع اسطوانات سميرة توفيق وشرب "الخرشة/الكولونيا" ودق الأصبع, يأتي حسن إلى بيته متأخراً, لكن زوجته تهاب منه, لا تريد المشاكل إذ تقدر الحياة الزوجية, دائماً ما يردد والدها: "ترى ما عندنا بنات يتطلقون", تَذكُر ما يفعله زوجها من صراخ وضرب لها ولأبنائها, لكنها في الوقت ذاته تسترجع جملة والدها الذي تحترمه وتحبه وتسكت.

أحد ابنائها مشعل كان مخالفاً عن بقية اخوانه يحاول ان يتمتع بوقته مع اصدقاء له في الحارات, لكن والده يضربه حتى يغمى عليه ويقيده بالسلاسل "من قالك تطلع من البيت وتدوج", كان قاسياً على ابنه حتى مات جلده من الضرب وأصبح لا يبالي – مات قلبه – كما تقول أمه.

في صباح كل يوم, يذهب مشعل إلى السوق حاملاً معه دفاتر المدرسة مستهتراً بها, يرميها تحت بوابة دكان مغلق, يخبئها فيه حتى نهاية المدرسة, يتفرج على "الصبيان/ العمال" كيف يحملون أكياس الأرز وتنك الزيتون, احياناً يشاهد بعضهم نياماً تحت ظل الاكياس المتراكمة, لا يعجبه هذا المنظر فيصعد إلى الاعلى ويرمي عليهم كيس الرز ويهرب, دائماً في مشاكل يضربهم حتى بدت رهبته على الجميع, كبر مشعل ولم يحقق شيئاً في التعليم, حاول والده ان يصلح أمره بطريقة أخرى وأن يتركه يعمل معه ويزوجه على ابنة قريب له.. حدث هذا.!, لكن ثقافته غريبة اصبحت لديه مبادئ القوة والإقدام والعربدة هي رأس المال, من في الحارة اصبح يخاف منه باستطاعته ان يقاتل سبعة رجال, يسمونه في ذاك الوقت - داشر الكلاب -, الناس حوله تتغير وأقاربه في حالة نمو عقلي وفكري وعلمي وهو على نفس التفكير المتبلد بسبب التربية.

رغم اصالته الا ان في داخله حقداً على الناس من أثر تربية والده وما فعله فيه منّذ الصغر, تلك المسكينة والدته كبرت وداهمها المرض مبكراً, هاجس مشعل هي معاملة والده له عندما كان صغيراً..لماذا انا الوحيد الذي لم يتطور مع البقية.؟

ذات يوم "خرش/شرب الخمر", وتذكر أن والده كبر واعتزل العمل وجمع مالاً كبيراً, لكنه لم يأخذ شيئاً كبقية اخوته, ما زال والده يؤنبه عندما يطلب منه شيئاً, قال مشعل لوالده وهما يحتسيان القهوة صباحاً عند الوجار في الدوانية:" وراك يبه ماتعطيني دراهم مثل اخواني.. ترى وراي حرمة يبيلها مقاضي", فجأة يرد والده: " شرَّقتَ جعلك الشرَّقَة ي - الداشر- ليتك مثل اخوانك كان زين" زوجة مشعل سمعت ما دار بين زوجها ووالده, لم يحترمها أحد عند حدوث المشاكل!.

التربية السيئة لمشعل منّذ الصغر اتت تحمل تلك المعاناة والنفسية الصعبة في الكبر, قلَّد والده في العربدة والبأس الشديد وعدم الرحمة, في يوم وبعد أن نقلوا بيتهم إلى دار مسلح, أتى مشعل من اصدقائه وهو في حالة الا وعي, والده هرب في الغرفة مختفياً عنه, يعرف ان مشعل في حالة "مزرية" قد لا يتحكم في أعصابه, كان ثوراً هائجاً, حاول اخوه منعه إلا انه ضربه حتى اغمي عليه وهرب.

التربية السيئة والقدوة غير الحسنة والمخدرات وتفاعلها مع السنين كان نتاجها «القلوب الميتة» في القيم والروح والجسَّد..