لا تستثني أي وقت تجعله فسحة لجسدها وراحة عقلها من التفكير..

هكذا هي فوزية, كل وقتها لمراقبة الجيران تنتظر ابوابهم متى تفتح من ال"طرمة - صندوق خشبي مخرم يضعونه في الدور الأول يستكشف منه الباب والحارة", عندما "تزلُ" قهوتها في كل صباح لجدتها الطاعنة في السن أم سعد, تردد مقولتها: "الا – يوه/ يمه - متى بتزوجوني, ترى معدَّ الا خير.!", لم يرزق والدها الا هذه الفتاة قبل أن تتوفى والدتها بعد انجابها من أثر الدرن, جدتها أم سعد, لا ترد عليها الا :"يا أمي تو الناس على ذا "الحتكسي/ الحكي" ولاحقة على خير ولا أنتيب ماخذة الا واحد من ثوبس/ثوبك" يقصد بها الأصل والفصل والمال".

فوزية تشتاط غضباً من رد جدتها أم سعد, لا تريد هذا الجواب, ملت منه, وكأنها تعرف أن مستقبلها مظلم لا ترى منه شيئاً, تعرف أن أم سعد طاعنة في السَّن ووالدها في سفر دائم مع الشيوخ, أم سعد تُركت لتربية فوزية بعد ان تعدت مرحلة الطفولة إلى المراهقة, لكنها لاتتحرك كثيراً لمراقبة فوزية, يسايرها سؤال مستمر: "وش تسوي ذا البنت فوق الدرج.؟", لكن فوزية تستمد ثقافتها من لقافتها كما تلقبها جدتها كُل تلك المعلومات التي تجمعها من المراقبة والتصنت على الجيران حتى في مبيتهم بالسطح, ذات يوم وإذا بابن جارهم أحمد يأتي لهم صباح يوم باكر يُوصل المقاضي تحت طلب والدها سعد, تعلقت به أكثر, تحسب أن كل شيء تحت إمرتها, هكذا ما تربت عليه ودللها والدها ان كل شيء تطلبه سيكون متاح.!

هذا الشاب تعود أن يوصل مقاضي جارة سعد ويذهب الى المدرسة ومنها إلى دكان والده يسمونه "الحفيز" نظراً لمساحة المحل وتنوع المشتريات, يعود بعدها إلى البيت وهي تنتظر وقت العودة من الطرمة قبل اذان المغرب.

ثم تذهب إلى السطح تشاهد كيف يفرشون "مراقدهم" ويستعدون للنوم بعد العشاء, ثم"تحول/تنزل" إلى البيت تجهز فراش جدتها في "بطن الحوي" تكنس الارض من الغبار والحشرات, بائسة تمنت أن تنام في سطح البيت تسمع حواراتهم ومشاكلهم وتلفزيونهم, لكنها وحيدة لا تستطيع الا بالمبيت مع جدتها أم سعد.

فجأة وجدَّتَ فكرة أن تخيف جدتها ب"السحبلة", تعرف ان هذه السحبلة تخرج من فتحة "بجدار بطن الحوي" يلمع جلدها, تمر هذه السحبلة أمامهم إلى قربة معلقة لحفظ الماء وتبريده, تشرب من الأرض وتعود دون أن تمسهم, فوزية قالت لجدتها:" يووووه – ترى السحبلة كبرت وظهرت عيونها وبدت تتلون والظاهر أنها مسكونه".

اقتنعت أم سعد بحديث بنتها, يقرون بالجن والسحر والعين بشكل لا يصدق, وافقت ان تغير مكان المبيت إلى السطح, انتظرت فوزية اليوم التالي لتذهب بفراش جدتها إلى السطح وتجعله قريباً عند الجدار الفاصل بينها وبين الجيران, حاولت أن تستقصي حديثهم وتكلم أحمد لكنها لا تستطيع, انتظرته في الصباح حينما طرق "الباب الحديد" وردت من ذا؟, قال انا احمد افتحوا, فتحت فوزية واخذت المقاضي واضعة على رأسها ودراعتها جِلاَلُ مُقَلم, قالت وهي ممسكة الباب:" الا يا أحمد وراك ما تعرس", رافع رأسه وعاجلها بالرد:" مهوب على كيفي.. يقول أبوي أن حرمتي بنت عمي", باتت فوزية في ذلك اليوم تندب حظها وضياع أحلامها, أعادت شريط ذكرياتها مع الوحدة ودلال والدها الذي اوهمها ان كل ما تريد متاح, لكن الصدمة بينت أن أقرب الجيران لا تستطيع الحصول عليه.

عاشت سنين طويلة حتى بعد عودة والدها لا تستطيع إعادة "متى بتزوجوني" حتى توفيت جدتها وكبر والدها وهي وصلت إلى مرحلة في العمر يعتبرونها "عانس", لم يجرؤ أحد طوال تلك السنين على خطبتها لشرط والدها "ماهوب من ثوبنا".!