الفقر.. ليس له علم رسمي.. ولانشيد وطني.. إذ إن حدود الفقر لاتظهر على أي خريطة.. وأهلوه إذ يجدون أنفسهم هناك يعسر عليهم ساعتها إيجاد خطوط للرجعة.. إن الفقر مؤلم كل الإيلام.. إيلام ذاتي ومجتمعي.. فنظرات قلبية إلى أوضاع بيئات الفقر تنكأ الأفئدة وإن كان هذا ليس هو المطلوب وحده.. فنحن نهدف إلى تجاوز خطوط المشاعر، إلى مقدمات الفكر وواجهات العمل، إن تجذرات الفقر في المجتمعات عبر امتداد تاريخ الإنسانية تشي بالكثير من التراكمات المسببة والمرسبة والمهيأة التي تستحث التحرك لتناول القضية تناولاً إيجابياً يرمي إن لم يكن لاجتثاث الفقر وهذا ليس بمحتم، فليكن للتخفيف من حدته.

ولعل سطوع التعاليم الإسلامية في عرض قضية الفقر، وكونها من لدن حكيم خبير، جعل الآيات الكريمات تأتي بالقرآن الكريم حاضة على الإنفاق والبذل، مرتبة على عظيمه رفيع المنازل، تزكية للنفوس، وتطهيراً للمال وتقوية للنسيج الاجتماعي، واضعة أنظمة كفيلة بالتوازن الاقتصادي، والتكافل الاجتماعي، خلوصاً إلى إزالة ماقد يعلق بالقلوب من غل وحقد إبان المفارقات الشاسعة التي يخلفها الفقر بين أفراد المجتمع.

أي منا فكر في أسباب اقتران الفقر بالكفر في قول الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم في دعائه (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) في أن الفقر قد يوصل إلى الكفر، ففي بيئات العوز تطل الجرائم برؤوسها، بل بأجسادها كاملة فينتشر القتل والسرقة والمخدرات والمخالفات والجرائم المنظمة وغير المنظمة بشتى أنواعها والأدهى من تلكم الممارسات المرذولة أن يستمرئ الفقراء تلك الأوضاع المقيتة فتسري في دمائهم كوضع لصيق يستعصي على قبول المتغير مهما يكن.

ومما يتصدر قائمة المعضلات في تناول قضية الفقر انحسار صورته في أذهاننا في (إطار من اللحم والدم) نراها تقتضي دريهمات أو لقيمات ليس إلا.

بيد أن المسألة تعني الإنسان بكليته، ومن ثم تصبح الرؤية العملية لواقع الفقر وبيئاته بمختلف درجاتها وصنوفها موضع تحد لكل الشعوب باغية النهوض ومريدة التحضر، لذا فإن كانت مسببات الفقر اقتصادية بالدرجة الأولى فهو في ذاته إشكالية اقتصادية وفكرية وصحية ونفسية واجتماعية.. تأخذ بناصية المجتمع وتنحو به إلى التخلف والانزواء والنكوص.

وفي الفترة الراهنة في بلادنا بحمدالله يشرف الصندوق الخيري لمعالجة الفقر على بيئاته ليهبها رعايته بقيادة قامة البذل صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد وفقه الله، عبر برامج موفقة وخطط مدروسة مرحلية نتمنى أن تبتدئ بالجوانب الإحصائية الشمولية الاجتماعية والاقتصادية (المادية) والثقافية والتعليمية.. إن الدور الرائد في هذا المؤشر (للمجالس البلدية) كخطوة أولى على دروب نجاحاتها اللاحقة بمشيئة الله، ومن ثم تأتي الخطوات الأخرى للمعالجة، والتي يفترض أن تعقبها قياسات دقيقة للمتحقق من المستهدف في متابعة فعالة كنتيجة للتعبئة المبدئية التي أظهرتها عمليات الحصر.إن رجاء الفقراء قبل أن يشنف آذاننا يجب أن يدلف إلى أعماق قلوبنا لنعيش واقعهم، ومن ثم ندرك يقيناً أن التحولات الحضارية منوطة بالأبنية الرصينة للهيكلة التنموية، وبذا نسهم في تحويل إنسان البيئات الفقيرة من البطالة إلى الإنتاجية إلى دفع مسارات التنمية بخطوات واثقة نحو مستقبل وضاء.