مشكلة هذا الكبير بالسن سليمان مع ابن فهد قد فاقت التصور، كلهم يعرفون أنه كان باراً بوالديه منّذ الصغر، يعترفون بالحارة أنه ابن صالح يزور المسجد بشكل مستمر ويجلس بالخلوة ايام الشتاء لقراءة القرآن ومذاكرة بعض دروسه، لا يترك والديه يحتاجون لأحد وهم كذلك في رأفتهم وحنانهم عليه.!

كان صاحب الدكان الصغير في زاوية الحارة يراقب كل صغيرة وكبيرة في الحارة حتى يعرف أسماء نسائهم وذريتهم، في كل يوم بعد صلاة العصر وهو يفتح دكانه، يشاهد مجموعة من الشباب يخرجون من المسجد في خلسه، بعد فترة وهو على "درج" دكانه يهف على وجهه بكرتون صغير ممدداً سيقانه رافعاً ثوبه عنها عله يأخذ شيئا من الهواء البارد، نادى أحد ابناء الحارة:" سعد.. ياسعد، جعلك الصقه، أمش ماتسمع.!"، سعد يلتفت عليه ويحك طاقيته: "تناديني ياعم صالح؟"، "ايه يعنبو بليسك أجل من أنادي؟ تعال بنشدك عن ذولي منهم عياله، قبلي اشوفهم ظاهرين من المسجد كنهم حراميه؟".

سعد ذاك الصغير، استدرك أن هؤلاء الشباب ليسوا من حارتهم ولا يعرفون مذهبهم ولا شيء آخر سوى انهم يأتون للصلاة ثم يلتفون دائرة في المسجد يحدثون بعضاً عن الدين. كان يجلس معهم فهد ابن سليمان.

يقترب سعد عند راعي الدكان ويقول بصوت منخفض: "والله ياعم مدري عنهم، بس تراهم يصلون ويجلسون مع "فهيد/فهد". راعي الدكان: "ايه هين يافهيد.. بعذرك ساقط(ن) في ذا المسجد"

الحارة يعرفون ويراقبون تصرفات بعضهم وتجد بينهم الناصح، لذا هم على قلب واحداً بحكم الجيرة والنسب والقرابة احياناً بين البعض، لكن دخول هؤلاء الشبان عند وقت صلاة العصر كانت قضيتهم، فهم لا يمنعون احداً من الصلاة في مسجدهم الصغير.

ذهب صالح لبيت سليمان بعد صلاة العشاء. طرق الباب، سليمان "من ذا؟" افتح يابو فهد" انا صالح" يفتح الباب سليمان ويتفاجأ أن راعي الدكان العم صالح يكلمه في هدوء تام، اسمع ودي "احاتسيك/ احاكيك" بس ما ودي احد يسمع، سليمان "اقلط.. اقلط ثم(ن) قل اللي عندك.. يصعد معه للروشن، مكان للضيافة يكون في الدور العلوي، يطل على زوجته من بطن الحوي، ويصرخ لها أم فهد" هيتو بالقهوة ترى عندي صالح".

سليمان مازال يفكر ماذا يدور في رأس راعي الدكان - عساه خير- الا ان صالح عاجلة وقال: "ترى ولدك فهيد قبله يجلس مع ذا "العيال" بعد الصلاة في المسجد يحدثون وماندري وش بينهم، ولو انهم صادقين ما يظهرون من المسجد مستعجلين كنَّ الواحد منهم سروق؟"، سليمان يسحب مركاه تحت ساعده ويقول: "يابن الحلال أنت مغير قاعد(ن) في ذا الدكان تراقب الناس وتوسوس، ماعليك من أحد وخل الخلق للخالق".

ذهب العم صالح إلى بيته، في زاوية الحارة وهو في الطريق يكلم نفسه "الا وش اللي ظهر لساني من لهاتي، وش علي منه هو وولده".

بعد أشهر اصبح فهد يغيب عن الحارة في رحلاة برية مع زملائه اصحاب المسجد، الناس صارت تفقده حتى اصبح يغيب عنهم لأشهر، لكنه إذا عاد يكون متشدداً على امه واخوته، فجأة أخذ "فاروع" كان يستخدمه والده في تكسير الحطب، وهشم التلفزيون الصغير وتبعه بالراديو، الخاص لوالدته وما يؤنسها في سطح البيت عند المبيت لم يبق على شيء جديد الا ورماه خارج البيت، قال لهم "إن هذا حرام منتم داخلين الجنة وذا عندكم" صار "فهيد/فهد" يخطب في المسجد بصوت مرتفع يخوفهم من وعيد النار إذا لم يتوبوا ويستغفروا، لم يفكر أحدهم انهم في تلك اللحظة في المسجد يصلون ويستغفرون ويتوبون إلى الله في كل ساعة وحين.!.بعضهم صدق فكره الجديد. أشهر الا وهاجر فهد بعد ان سبب المآسي لوالديه من حزن الفراق وتهشيم ما يملكون من رُقي وحضارة جديدة، لكن الفاجعة المؤلمة للحارة أن خبر مقتله جاء بعد غارة على قرية مسلمة في افغانستان، يظن فهد وزمرته ان أهلها كافرين.! الخلاص من فكر "فهيد/فهد" بأي شكل له فسحة لحياة اجمل.