مسيرة حافلة بالعطاء، وعلم من أعلام القضاء في السعودية، ورث العلم ومن ورثه فقد نال حظاً وفيراً.. لم يكن هذا سوى الشيخ عبدالله بن سليمان بن سعود بن سليمان بن سالم بن محمد بن بليهد الخالدي -رحمه الله-، اشتهر بورعه وفقهه في شرائع الإسلام وأحكامه، وقرأ الشيخ عبدالله القرآن الكريم على يد والده الشيخ سليمان بن سعود البليهد، وقرأ الحديث والتفسير على يد الشيخ محمد بن دخيل ببلدة المذنب، كما قرأ أيضاً على يد الشيخ محمد بن سليم ببريدة، وتتلمذ على يده الكثير من طلبة العلم، وقد كان يتجول بين بعض المدن مرشداً، ومعلماً، وداعياً إلى الله على بصيرة، وأصبح منهم العلماء والمشايخ وعلماء الدين، ولا غرابة فالشيخ نشأ وترعرع في أسرة اشتهرت بالعلماء من أسرة آل البليهد، منهم جده الشيخ سعود بن بليهد وشقيقه الشيخ حمد بن سليمان بن بليهد.

أول رئيس للقضاة في مكة المكرمة وانتدبه الملك عبدالعزيز في شؤون سياسية مهمة

السيرة العطرة

ذكر الأستاذ محمد بن عبدالله المقرن في كتابه "من أعلام القضاء" أنّ الشيخ عبدالله بن سليمان البليهد ولد في بلدة "القرعاء" شمال منطقة القصيم واختلف في تاريخ ميلاده، ونشأ في بيت علم ودين وعبادة، فقد كان جدّه سعود من القضاة في عهد الإمام تركي بن عبدالله، وكذا كان أخوه حمد، وكان والده إماماً في شمال القصيم، فنشأ في هذه البيئة الصالحة، والشيخ من أعلام القضاء في المملكة، وتبدأ عصامية النجاح عندما تلقى الشيخ عبدالله العلم ومبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم عن والده، وبعد انتقاله إلى المذنب درس على الشيخ محمد بن عبدالله بن دخيل علوم التفسير والحديث، ثم انتقل إلى بريدة ولازم القاضي محمد بن عبدالله بن سليم المعروف بعلمه وفقهه، كما درس على الشيخ صالح بن قرناس والشيخ عبدالله بن فدا فدرس علوم التفسير والحديث والفقه وأصوله وكذلك علوم العربية وجد في كتب ابن تيمية وابن القيم.

طلبه للعلم

عندما كان يدرس الشيخ عبدالله على الشيخ محمد بن سليم رحمهما الله جميعا قال عبارته الشهيرة: "لقد كنت أطلب العلم على الشيخ محمد بن سليم في بريدة وإن وسادتي لعدة شهور لبنة في سطح الجامع في الصيف"، كما سافر الشيخ عبدالله إلى الهند للعلاج فوجدها فرصة سانحة لتلقي العلوم، وقرأ على علماء الحديث في الهند خلال إقامته هناك، وأخذ في جعبته العلم الوفير منهم، وبعد عودته تنقل بين قرى القصيم مدرساً وداعيةً وناصحاً، ونال شهرة واسعة بين الأهالي بالقرى والبوادي؛ مما دفع الكثير من طلبة العلم نحوه فنهلوا من علومه، وتتلمذوا على يديه.


بقيت مؤلفات الشيخ عبدالله إلى اليوم واعتنى بها طلاب العلم

قرار الملك عبدالعزيز

وفي عام 1333ه، اختاره الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وعينه قاضيا على القصيم، وذكر الباحث محمد المقرن أن الشيخ تنقل بين قرى الرس والخبراء والبدائع يعلم الناس ويرشدهم وفي عام 1342ه نقله الملك عبدالعزيز إلى حائل وما حولها من القرى والهجر والبوادي، فكان حازماً في العدل، وأصبحت حائل ومحيطها مضرب الأمثال في أداء الحقوق والأمان، وكان-رحمه الله- ذا هيبة بين الأهالي، وصاحب فراسة لا تخطئ -بإذن الله-، والكل يشير إليه بالعدل والصلاح، وأثنى عليه الشيخ سليمان بن سمحان قائلاً: "ما علمت مثله في استحضار الحجة وما علمت أنه انقطع في مناظرة تمر به"، حتى أنّ الملك عبدالعزيز كان يقربه ويستشيره في بعض أموره.

أول رئيس للقضاة

وفي عام 1344ه نقله الملك عبدالعزيز إلى مكة المكرمة ليكون أول رئيس للقضاة، انطلاقاً من رؤية الملك في الشيخ عبدالله، فهو يعرف رجاحة عقله وحسن تدبيره للأمور وفراسته وإدراكه وحكمته، بما في ذلك الجوانب السياسية، فانتدبه إلى المدينة المنورة للإشراف على أعمالها الشرعية وتنظيم القضاء فيها، وقام بجهد أثمر عنه تنظيم كافة أجهزة المدينة المنورة، ثم عاد إلى قضاء مكة وبقي إلى عام 1345ه، وبعد إتمام مناسك الحج من ذلك العام طلب من الملك عبدالعزيز إعفاءه وألح في طلبه فأعفاه في (20) ذي الحجة من ذات العام.

طلب أهالي حائل

بعد إعفائه بفترة تقدم وفد من أعيان حائل بخطاب إلى الملك عبدالعزيز -رحمه الله- يلتمسون فيه إعادة الشيخ عبدالله إليهم، فشاوره الملك عبدالعزيز في الأمر، ولكنه اعتذر، وعاد الوفد إلى حائل وبعد فترة رجعوا مرة أخرى إلى مكة، وألحوا على الملك عبدالعزيز، وكرروا طلبهم هذه المرة، ثم طلب الملك عبدالعزيز من الشيخ عبدالله الاستجابة لرغبة الأهالي، وما كان أمامه من خيار إلاّ الموافقة.

استقراره بالطائف

ومكث الشيخ عبدالله في قضاء حائل إلى عام 1358ه، ثم بعد موسم الحج قابل الملك عبدالعزيز في مكة المكرمة مع مجموعة من أعيان حائل، وطلب من الملك عبدالعزيز إعفاءه؛ نظراً لمرضه وضعف جسمه، فأعفاه الملك عبدالعزيز واستقر بالطائف يسافر إلى مكة المكرمة نهاية كل أسبوع، ويعود إلى مكان إقامته بالطائف.

المؤتمر الإسلامي

وسبق وأن كلفه الملك عبدالعزيز بدور "الدبلوماسي" في لقاء واستقبال وفود الدول الإسلامية أثناء موسم الحج للتشاور والنقاش لما فيه خدمة الإسلام والمسلمين، ومن أشهر تلك الوفود الوفد الهندي الذي ترأسه "شوكت علي" وهو قائد وناشط ومؤسس إحدى الحركات الإسلامية في الهند، حيث طلبوا من الملك عبدالعزيز تكوين مجلس إسلامي للتباحث في شؤون الأمة ورحب الملك بالفكرة، وانتدب الشيخ عبدالله البليهد للتحدث في المؤتمر نيابة عنه، فخاطبهم بأسلوب بليغ ومقنع وبعد الانتهاء من الاجتماع أشاد الحضور بذكاء الشيخ عبدالله البلهيد وبلاغته وحسن اختيار الملك عبدالعزيز له.

مكانته عند المؤسس

كان الشيخ عبدالله البليهد محظياً عند الملك عبدالعزيز -رحمهما الله جميعاً-؛ لدماثة خلقه ومكانته العلمية وإحقاقه للحق وتحريه للعدل والإنصاف، وكان ذا هيبة عند الولاة في المدن التي تولى القضاء عليها يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان الناس يتعجبون من فصاحته وتحليله للمسائل واستنباطه للنتائج، وكان الملك عبدالعزيز ينتدبه لأهالي القرى والبوادي ليطمئنهم ويطمئن على أحوالهم، قال عنه الشيخ علي بن محمد الهندي المدرس بالحرم المكي: "كان عالما فاضلاً جمع الله له بين السياسة الدينية والدنيوية والعلم والحجة والعقل الوافر".

طلابه وتلاميذه

كثير هم أولئك تلقوا العلم على الشيخ عبدالله وأصبحوا شيوخا وعلماء وقضاة في حائل، والقصيم، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: أخوه الشيخ حمد بن بليهد، والشيخ عبدالله الصالح الخليفة، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي، والشيخ محمد الخيال، والشيخ علي بن صالح البنيان، والشيخ ناصر المحمد الوهيبي، والشيخ محمد بن عبدالعزيز العجاجي، وغيرهم الكثيرين.

أهالي حائل كرروا الطلب إلى الملك عبدالعزيز بإعادته إلى القضاء بعد انتقاله لمكة

معرفة الطرق

قبل نحو قرن الشيخ عبدالله البليهد يجوب مناطق المملكة بسيارته الخاصة، حيث كان يرحمه الله واسع المعرفة بجغرافية المملكة وطرقها الموصلة إلى بعضها البعض، وفي عام 1345ه -أي قبل نحو (90)- عاماً قطع رحلة بسيارته من مكة إلى جدة، فالمدينة، وحائل، والقصيم، وعاد في نهاية الرحلة إلى مكة المكرمة، وقد أعانته معرفته بالطرق إلى الدلالة والمعرفة بمواقع تلك المناطق.

وفاته

أضعفته الشيخوخة بعد أن تجاوز الثمانين عاما وقد توالت عليه الأمراض، فتوفي-رحمه الله- في الطائف ليلة الاثنين العاشر من جمادى الأولى عام 1359ه، وصلي عليه في مسجد ابن عباس ودفن في مقبرة الشهداء الواقعة قرب المسجد، شيعه جمع غفير من العلماء والأعيان والأهالي وكان في مقدمة المشيعين الملك فيصل بن عبدالعزيز-رحمه الله- الذي كان وقتها نائبا على مكة.

رثاؤه

فجع الناس بوفاة الشيخ عبدالله البليهد وخيم الحزن على الكثيرين بفقد هذا العالم الفذ الذي قضى نحبه متسلحاً بالعلم مجاهداً لخدمة دينه ومجتمعه والمسلمين عامة، ورفع الظلم وإقامة العدل من خلال المناصب التي أوكلها له جلالة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ولا غرابة أن تهيض قريحة الشعراء والكتاب والأدباء رثاء بالمصاب الجلل ومن ضمن تلك المراثي مرثية الشاعر والأديب أحمد بن إبراهيم الغزاوي ومنها :

في مثلك الصبر عند الله يحتسب

والعلم يفقد والأشجان تصطخب

ورثاه ابن عمه الشيخ محمد بن بليهد بقصيدة طويلة منها:

كأن حائل لم تشرق جوانبها

بنور علمك والقراء تبتكر

ولا أقمت بأرجاء القصيم ولا

يثبت فيه التي تبقى وتدخر

كتبه ومؤلفاته

خط الشيخ عبدالله البلهيد كتبا عديدة وله حواش في الفقه والحديث ومن ضمن تلك الكتب جامع المسالك في أحكام المناسك، رسالة في الخلافة ومن هو أحق بها، ورسائل عديدة وأجوبة متفرقة، إضافة إلى كتابه الرد على مدعي الخلافة، وأهدى رسالته جامع المسالك في أحكام المناسك إلى الملك عبدالعزيز فسر بها وأمر بطبعاتها، ويذكر الرواة أن قصة طريفة له مع الملك عبدالعزيز تدل على صدق نصيحته واستشعاره حجم الأمانة الملقاة عليه جراء الاستشارة ف"المستشار مؤتمن"، فقد ذكروا أن الملك عبدالعزيز سأله ذات مرة عن أدهى وأشجع الرجال في منطقة يعرفها الشيخ جيداً، فما كان من الشيخ عبدالله إلاّ أنّ قام يعدد للملك كبار رجال تلك الناحية، وذكر من بينهم رجلاً سبق وأن أمر بإبعاد الشيخ عن بلدته بسبب خلاف شخصي، فتعجب الملك منه، وقال: أليس هذا الذي أبعدك عن بلدته في تلك السنة؟، فقال له الشيخ: نعم، ولكنك أمرتني أن أذكر لك كبار القوم فذكرتهم، ولا يقلل خلافي معه من مكانته، ولم تكن هذه القصة إلاّ مثالاً من أمثلة كثيرة شهد بها من يعرف الشيخ عبدالله بن بليهد -رحمه الله-.


خطاب من الملك عبدالعزيز إلى الشيخ عبدالله بن بليهد

الملك عبدالعزيز يستمع لمستشاريه ومن بينهم الشيخ عبدالله بن بليهد بما يخدم مصالح البلاد

كان الشيخ عبدالله أول قاضٍ يعين في مكة المكرمة