نسبة الشعر في عنوان المقالة إنما هي إلى الشاعر عبدالمسيح بن فتح الله بن عبدالمسيح الأنطاكي (18741923م) وهو شاعر سوري يوناني الأصل ولد في حلب وبدأ حياته الأدبية فيها حيث أصدر فيها مجلة سماها (الشذور)، ولكنه هاجر بعد ذلك إلى مصر وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) ثم تحول اسمها إلى (العمران).

لقد كرّس هذا الأنطاكي أدبه وشعره وجريدته ورحلاته تكريساً منقطع النظير في سبيل الارتزاق وجمع الثروة، فقصر أكثر شعره على المدائح المبالغ فيها كماً وكيفاً من خلال قصده لأمراء العرب وسلاطينهم في حضرموت ومسقط والبحرين والكويت والمحمرة، وقد ارتبط بالشيخ خزعل خان شيخ المحمّرة بعلاقة وثيقة ونظم فيه القصائد تلو القصائد والتي جمعها فيما بعد في ديوان سماه: (الدرر الحسان في منظومات ومدائح مولانا السلطان معز السلطنة سردار أرفع سمو الشيخ خزعل خان)، وقد ذكر عبدالله الحاتم في كتابه (من هنا بدأت الكويت) أن الأنطاكي دلف إلى الكويت في عهد أميرها الشيخ مبارك الصباح وحال وصوله التحق بالمعية نظراً لخبرته في فنون الالتصاق فنصّب نفسه شاعراً لمبارك الصباح في الكويت وشاعراً للشيخ خزعل مرداو في المحمّرة وصار يتردد بينهما فتارة يمدح مبارك وتارة يمدح خزعل وأحياناً يجمع بينهما في قصيدة واحدة!! وهو لا يعدم حيلة في اختلاق مناسبة للقصيدة لتحظى بالقبول والإعجاب، قلت: ولعل هذا سبب تأليف كتابه الموسوم ب (الرياض الزاهرة بين الكويت والمحمرة).

ومن مزايا هذا الشاعر أنه ليس لديه وقت محدد لنظم الشعر فهو ينظم الشعر حتى أثناء النوم، قال ذات مرة: إنه استيقظ من نومه ذات صباح فوجد نفسه وقد نظم قصيدة عصماء في مدح مبارك الصباح، فذهب من ساعته إلى مجلس الشيخ وأنشدها أمامه بعد أن دبج حكاية عجيبة في كيفية ولادة تلك القصيدة العصماء!!

وقد رافق الأنطاكي مبارك في مركبه الخاص فلم ينفك عن تدبيج القصائد المتسلقة ذات الموضوع الواحد المكشوف منذ انطلق المركب من المحمّرة حتى وصل إلى الكويت، والمتصفّح لأعداد جريدة العمران سيلاحظ الأسلوب الممجوج في صياغة أخبار رحلاته وأشعارها التي لا تنتهي.

وذكر الشيخ يوسف بن عيسى القناعي أنه في سنة 1329ه/1911م طبع كتاب للأنطاكي عنوانه (الآيات الصباح في مدائح مبارك الصباح) ولما وصلت النسخ إلى جمرك الكويت اطلعه الشيخ ناصر بن مبارك الصباح على نسخة منه، فقال له: انصح والدك أن يخفي هذا الكتاب، لأنه مجموعة من المهازل والأكاذيب التي افتراها الأنطاكي، وإن انتشر فسيكون أضحوكة الزمان عليكم بين أهل الكويت وغيرهم. فتكلم ناصر مع والده وأمر بحبس الكتاب في دائرة الجمارك، قال القناعي: وعهدي به أنه في صناديق مكدسة هناك ولا أعلم عنه شيئاً الآن.. ولعله أحرق أو غرق.

الشاهد من ذلك أن لكل شيء حدودا إذا تجاوزها لا يكون مقبولاً وكذلك المدح والثناء فانظر كيف يحبس الممدوح الديوان الذي يتضمن مدائحه حتى لا يكون أضحوكة بسب المبالغة السمجة والإغراق المتجاوز والغلو المحذور!! لقد حفظ التاريخ سيرة الأنطاكي في باب نوادر الارتزاق وفنون الالتصاق، فاحفظ أيها الشاعر والأديب والمؤلف والصحفي سيرتك حيث تريد أن تكون بعد حين من الدهر.