مبارك يذهب صباح كل يوم يرى (الحمالية) في سوق المقيبرة يضعون على ظهورهم اكياس الرز والسكر والجريش ينقلونها إلى المستودعات "الطينية" في أطراف المعيقلية، لكنه بين تلك "الارزاق" كما يسمونها في ذلك الحين، يشاهد عجوزاً يلبس وزار وفانيلة "علاق" مثقبة صفراء من أثر الجهد والعرق، يظهر ذلك العجوز قبل شروق الشمس.

دائماً على نفس الخطى البطيئة العاجزة حاملا كيسا كبيرا، يناديه "ياعم ياعم"، يرمقه بعين ولا يرد، يعود مستذكراً ذلك المشهد اليومي مع زوجته، يحتسي شيئا من القهوة معها في ديوانية تكاد تكون مظلمة، لا يشتعل فيها الا لمبة يسمونها (صَفَر)، قالت وهي (تزُل) القهوة: "هالحين لك مدَّة تروح تصلي ولا تجي الا ذا الوقت؟، مستغربة هذا الوقت الذي يمضيه خارج البيت. يرمي غترته على الارض ويفسر غيابه وقصة العجوز الذي لا يرد عليه الا برمقة عين.!، لكنها تقاطعة: "وش الله شاق(ن) به، يوم انه يشيل مع ذا الحمالية؟.. مبارك"وش يدريني".

في نفس الجلسة يسأل زوجته عن اخيها عبدالله، تقول "بخير ابشرك"، يرد عليها بعد قرضَّةِ هيل" الا يعنبو بليسه.. ما يظهر القرش لو على بطنه.! قبله بخيل"، هذه الجملة دائماً ما يردها مبارك على عبدالله يعايره بالبخل على زوجته وبيته، لكنها تنفر مستنكره الحديث عن اخيها الغايب، يناديها: "الحين كلما جبنا طاري أخوك، طمرتي كنك حصان بليس"،: تمسك باب الديوانية وهي خارجه: "الا انت قبلك على اخوي "تسنك – كنك" مدينه قروش.؟"."يابنت الحلال لانيب مدينه ولا بيه يدَّينَي، بس خليني اروح اشوف الصبيان كودهم فتحوا الدكان".

مبارك يملك دكان واسع في سوق الديرة يبيع فيه شراشف وبطانيات وشنط "حج مبرور وسعي مشكور"وغيرها، لديه عمالة من الجنسية اليمنية يعتمد عليهم، حاول أن يسألهم عن ذاك العجوز الذي يعمل حمالي، يشك انه من جماعتهم.

اتضح فيما بعد ان العجوز يعمل اجيراً "حمالي" في كل صباح ثم يذهب لعملة الرئيسي توزيع البريد، ذاك الكادح عاش سنين بعيدا عن اولاده الذين ابعدتهم زوجاتهم.

ذات صباح طرق أبناؤه الباب، فتح لهم الباب ليسألوه عن المال الذي يجمعه اين هو؟، لا يرد كعادته، يعزمهم على القهوة "اقدعوا بس" حتى يملون من السؤال ولا يجدون صداه.!

عبدالله تعرف عليه واصبح يزوره بين كل فتره، ياخذ ملابسه لتغسلها زوجته ويعيدها واحايين كثيره يأتي له بالغداء، لم يسأل عن اوضاعه وابنائه، كل ما همه انه اصبح كبيراً لا يستطيع حمل شيء، ينصحه عن حمل الاشياء الثقيلة خوفاً عليه.

بعد فترة عاد الاولاد في صباح يوم يطرقون الباب"ابوي ابوي.. افتح" لبس وزاره المنهك كجسده، وفتح الباب لهم، أدخلوا.. كان معهم ابنائهم، يحتسون القهوة ويسألون: "الا يبه وين مجمع دراهمك، ترانا في عازتهم؟" سمعهم لكنه لم يجاوب، يكررون عليه السؤال: "الحين وراك ما تعلمنا.. وش انت مجمعها له؟" تركهم وراح يغسل يديه. حتى فشلوا وذهب الجميع.

في يوم قال لعبدالله.. اسمع ترى الله رازقك من فعلك الطيب خير.. انا ماعندي عيال؟!، لكن مجمعاً دراهم حطيتهم في – تنكة – طحينية خذها معك ان طلبتها منك والا "المارية الغفله" وتراها لك أن توفيت!.

بعد أشهر عاد الابناء في نفس الوقت يعرفون أن ابيهم يعود من السوق ويرتاح قبل أن يذهب للبريد، طرقوا الباب، لم يجب أحد.؟! طرقوا اكثر واكثر .. لم يجب أحد. ذاك الحمالي العجوز مات وردت عليهم عقوقهم فيه.