شكلت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمدينة المنورة نقطة انطلاق نحو مجالات رحبة من التطور والنمو للمدينة المنورة بصفة عامة وللمسجد النبوي الشريف بصفة خاصة حيث ستشهد المنطقة المحيطة به عدة مشاريع عملاقة تجاوزت (4700) مليون ريال ستحول المنطقة إلى ورشة عمل حقيقية وستخلق آلافاً من فرص العمل للشباب السعودي المتعطش لعمل شريف يبني من خلاله مستقبله وأحلامه، وعند الانتهاء من هذه المشاريع في غضون 30 شهراً ستتغير جغرافية المنطقة لتشهد مزيداً من الاتساع والتنظيم بما سيسهم في راحة الحجاج والمعتمرين الذين يزورون المدينة بعد اداء مناسكهم في مكة المكرمة.

كما أن هذه المشاريع ونظراً للمبالغ الضخمة التي رصدت لها ستؤدي إلى حراك اقتصادي حقيقي في المنطقة وتشغل عشرات المؤسسات الوطنية التي تعاني حالياً من شبه ركود بعد اتجاه المستثمرين للاسهم والعزوف عن المشاريع التنموية وبالطبع سيجد آلاف من الشباب فرص عمل حقيقية قد توفرت امامهم للعمل ضمن هذه المشاريع مما يجعل شبح البطالة يختفي باذن الله في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن تلك المشاريع التي سوف يباشر فيها العمل قريباً حدثنا معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الفالح نائب الرئيس العام لشئون المسجد النبوي الشريف حيث قال:

اولاً نحمد الله على فضله وتوفيقه الذي قال في محكم كتابه {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}، وقد فرحنا جميعاً عندما وفق الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز فاصدر امره الكريم بتوسيع الساحة الشرقية واقامة المظلات على جميع الساحات راحة للمصلين وعناية بهم لتقيهم وهج الشمس وحرارتها وبلل المطر وتجنبهم خطر الانزلاق وما ينتج عنه من اذية للمصلين وتلك المشاريع هي:

اولاً: تركيب 182 مظلة تغطي جميع ساحات المسجد النبوي الشريف من جهاته الغربية والشرقية والجنوبية ومساحة كل مظلة (576) متراً يستطيع ان يؤدي الصلاة تحت كل مظلة أكثر من (1000) مصل لتستوعب جميعها حوالي (200) ألف مصل باذن الله.

ثانياً: تنفيذ الساحة الشرقية للمسجد النبوي الشريف وتبلغ مساحة الجزء المراد اصلاحه (37000) متر مربع وستستوعب عند الانتهاء منها (70) ألف مصل وسوف تستغل الأرض التي اسفل الساحة بعمل مواقف للسيارات والحافلات لتستوعب ((420) سيارة و(70) حافلة كبيرة من باصات نقل الحجاج والزائرين.

وفي جانب آخر من اسفل الساحة ستقام دورات مياه بعدد كبير مخصص معظمها للنساء لأن مصلى النساء يقع بالقرب منها وفي ذلك تسهيل على النساء ومراعاة لخصوصيتهن وعدم الاحتكاك بالرجال عند الذهاب إلى الدورات أو الخروج منها والتوجه للحرم لاداء الصلاة وسوف ينشأ أيضاً مواقف مخصصة لتحميل وانزال الركاب من الحافلات والسيارات وهذا سوف يساعد على سرعة الوصول للمسجد النبوي من أقصر الطرق وبعيداً عن الزحام أو ارباك السير.

أما المشاريع الأخرى خارج المسجد النبوي الشريف فجميعها تركزت على الطرق الدائرية التي حول المنطقة المركزية ويسلكها القادم للحرم سواء من داخل المدينة أو للمسافرين القادمين عبر الطرق الحديثة التي تربط المدينة الآن بجميع مدن المملكة.

ومن هذه المشاريع:

استكمال طريق الملك فيصل الدائري الأول ويشتمل على تقاطع الملك فهد الأجزاء الممتدة بين مدخل المدينة الشرقي وما بعد شارع ابي بكر الصديق ليلتقي مع الجزء المنفذ من طريق الملك فيصل «الدائري الأول» والتقاطعات الجنوبية والأجزاء الممتدة بين طريق علي بن ابي طالب وطريق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وانفاق للمشاة الشمالية والجنوبية وعددها سبعة أنفاق كذلك تنفيذ امتدادات نفق المناخة من الناحية الجنوبية الى خارج طريق الملك فيصل واستكمال تنفيذ الشوارع والأرصفة والانارة الدائمة الى منطقة المركزية.

هذا وقد مر المسجد النبوي بصفة خاصة والمدينة المنورة بصفة عامة بعدة مراحل من النمو والتطوير منذ عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه والى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - ولمعرفة المزيد عن مراحل هذا التطور اتجهنا لمدير عام مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة الدكتور عبدالباسط بدر حيث حدثنا عن ذلك من واقع ما توفر لديهم من معلومات وصور ووثائق في المركز فأشار الى انه باستثناء العهد النبوي، لم تعرف المدينة المنورة في تاريخها الطويل تغيرات تشمل جوانب حياتها كلها كالتي مرت بها في العهد السعودي الحالي، وفي مدة قياسية.

فعلى أعتاب هذا العهد الميمون كانت المدينة المنورة حرسها الله بلدة صغيرة تكمن بيوتها خلف سورين تاريخيين متواليين، الأول منهما يحيط بالمسجد النبوي والكتلة العمرانية التي تلتف حوله، ولا تزيد مساحتها عن نصف كيلومتر مربع، بني أواسط القرن الهجري الثالث. والثاني ينطلق من خاصرة السور الأول الغربية في تشكيل نصف بيضوي يشمل الأحواش والبيوت والبساتين القليلة التي تمتد جنوباً وغرباً مئات قليلة من الأمتار، وبني أواسط القرن السادس الهجري، وظلت المدينة منذ ذلك العهد حتى أواخر العهد العثماني في مد وجزر داخل هذين السورين، وعندما وصل الخط الحديدي الحجازي إلى المدينة أوائل القرن الرابع عشر الهجري، حصلت طفرة سريعة وقصيرة خرجت فيها بعض المساكن من إسار السور الثاني... ولكن الطفرة لم تكمل في عمرها العقد الواحد، عاشت المدينة بعدها ثلاث سنوات من التهجير والحصار والجوع، حتى لم يبق من أهلها سوى أربعين أسرة بسبب ذيول الحرب العالمية الأولى في المنطقة العربية، وعندما انطفأت الحرب وبدأ سكان المدينة يعودون إليها لم تكن الظروف مواتية لتغييرات واسعة، فمرت بها سنوات العهد الهاشمي الستة وهي تلملم جراحاتها السابقة وتحاول استعادة عافيتها في ضيق من الرزق والأمن وعلاقات الجوار.

ولما بلغ العهد السعودي أعماق الحجاز وهو يجمع شمل البلاد تحت راية التوحيد، دخلت المدينة تحت هذه الراية وصارت درة من درر الدولة السعودية، وبدأت تدريجياً تتلمس التغيير والتطوير، وكانت الخطوة الأولى في الجانب الأمني، فلا استقرار ولا تطور دون أمن، ونجحت الدولة السعودية الناشئة في تحقيق الأمن والاستقرار، وأوقفت جميع مظاهر الفوضى وتهديد الأرواح والأموال التي كانت منتشرة في المنطقة لسنوات طويلة بل لقرون عدة.

وقبل أن يطل القرن الخامس عشر الهجري بدأت المدينة المنورة خطوات التغيير في الجوانب الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية، وتسارعت الخطوات وصارت قفزات واسعة، ولو نظرنا الى التغيرات في عدد السكان لأدركنا المسافة الواسعة لهذه القفزات، ففي بداية العهد السعودي لم يكن عدد السكان الثلاثين ألف نسمة، بدأ يزداد تدريجياً ووصل عام 1391ه إلى 137 ألف نسمة، وبعد عقدين من الزمن قفز إلى ستمائة وثمانية آلاف نسمة، ووصل عام 1420ه إلى تسعمائة الف نسمة، وإذا تأملنا ما يرافق هذا الارتفاع السريع في أعداد السكان فسوف نتصور مباشرة ما لزمه من تطور عمراني ضخم استوعب الأسر والأفراد الجدد والأبنية والشوارع التي استجدت، ونتصور الحركة الاقتصادية التي شارك فيها كل هؤلاء تجاراً وصناعاً وموظفين وعمال خدمات.. ونتصور الامتداد الثقافي الأفقي والعمودي والمدارس التي انتشرت في كل حي للبنين والبنات ثم المعاهد والكليات وفروع الجامعات الى الجامعتين الكبيرتين اللتين تتصدرانها الآن: الجامعة الإسلامية وجامعة طيبة، والتي تضم كل منهما عدة آلاف من الطلاب.

إن الحديث عن التطورات التي شهدتها المدينة في هذا العهد السعودي الميمون طويل وغني بالأرقام والاحصائيات وله دلالات حضارية لا تكفيها هذه العجالة، وهي على أية حال شاهد من شواهد الجهود الهائلة التي بذلها المسؤولون بتوجيه أولي الأمر بدءاً بالملك عبدالعزيز رحمه الله ووصولاً الى خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أيده الله. وفي يقيني أن المدينة ستشهد المزيد من الرعاية والتطور في السنوات القادمة لتكمل رحلة الازدهار والارتقاء ولتكون واحدة من المدن المتميزة في العالم بقدسيتها وبخصائصها الحضارية المتقدمة.