العدل والحق والخير.. قيم دينية وأخلاقية وإنسانية.. لا تكاد أمة من الامم ولا شعب من الشعوب.. إلا وتتوسلها وتنشدها وتدافع عنها.. أو هكذا على الاقل يبدو في مبنى الخطاب وفي الدفوع وفي محاولات الاقناع. كل يدعي وصلا بليلى.. وليلي، هنا هي تلك القيم الانسانية الاخلاقية.. إنما الفاجعة ان تلك الليلى لا تقر لهم بذاك.

ما يحدث في غزة هذه الايام الكالحة السواد.. وما تكشفه المواقف او يظهر في وسائل الاعلام او يتعاقب عليه المعلقون والكتاب والناشطون والسياسيون.. إنما يقدم أبلغ شهادة على حجم الاضطراب في معايير الحق والعدل.. أو لنقل بشكل أكثر دقة على حجم الانتهاك لتلك المفاهيم التي لا تخضع لمعيارية الحق قدر ما تخضع لمعيارية المصلحة وعسف التاريخ والنظر من زاوية واحدة او عين عوراء مشوهة في مشهد لم يكن وليد اليوم ولكنه اعلن عن نفسه منذ أكثر من ستين عاما.

لا يعنينا ما تقوله اسرائيل حكومة وساسة وشعبا جمع من شتات الافاق باسم يهودية الارض والمصير.. انما يعنينا رؤية عالمنا اليوم لقضية يتم تجاهل مكوناتها واسبابها ويظل التركيز الواهي على تداعياتها، التي لم تكن سوى ردود أفعال على أكبر انتهاك للحق والعدل وكرامة الانسان.

وإذا تجاوزنا ساسة الولايات المتحدة الامريكية والحكومات الغربية وتلك الدعاية الضخمة لإسرائيل التي تتحكم منذ أمد بمفاصل التأثير الاعلامي والسياسي في تلك البلدان.. فإن قسوة بعض بني جلدتنا أشد وأكثر مرارة وأمرّ انتهاكا وأبلغ جنوحا.. وكأنها لم تؤثر في عقولهم ومشاعرهم جريمة اغتصاب الارض وانتهاك الانسان في فلسطين طيلة ستين عاما.

عندما يقف البعض ليبحث في الاسباب، التي تروجها اسرائيل لمهاجمة القطاع بين الفينة والاخرى.. إنما يتجاهل ان المسألة أبعد من قضية اختطاف ثلاثة اسرائيليين وقتلهم.. فالمظلمة الكبرى والقضية الاعظم هي طرد شعب بأكمله من ارضه واغتصابها ورفضه والعمل بكل الوسائل من اجل اجتثاثه مع قضيته.. ولذا تظهر تلك العلاقة المهينة في توظيف مسألة الحق والعدل في مساواة فجة بين الضحية والجلاد.. بين القاتل والقتيل.. بين المغتصب والمشرد.. بين المدعوم بحبل من امريكا وأوروبا، وبين المحاصرين في أضيق بقعة على وجه الارض جوا وبرا وبحرا.

لا أحد يحجر حق الاختلاف مع تنظيم او فصيل او قيادة او حكومة.. إنما أن يتم تجاوز قضية ظلت ضمير العرب الموجوع والمنتهك.. للوقوع في شرك مساواة الضحية بالجلاد أو إلقاء اللوم على مقاومة لا تملك سوى اظافرها واسنانها للدفاع عن حق وجودها.. او البحث عن اسباب ترفع سقف التعاطي مع اسباب حرب تعاود كل حين لسحق أي ورقة يملكها مقاوم يحمل روحه على كفه.. لدرجة تجاهل القضية الاساسية التي ظلت القضية الام في منطقة ملتهبة مشتعلة تكاد اليوم تحرق الاخضر واليابس.. فتلك هي الخديعة او الشرك او سمها ما شئت!! إنما المؤشر الأهم فيها اختلال بيّن في معايير الحق والعدل.

أما المؤثرات الباعثة على توظيف الحق والعدل والانصاف في قضايا تبدو أحيانا في ظاهرها محاكمة منطقية، بينما هي في حقيقتها تجاوز وانتهاك لأبسط شروط العدالة والحق. هذه المؤثرات لا تخلو منها وظيفة او مهمة او جهل او رداء او قناع.

وكمثال آخر صارخ ايضا على حجم انتهاك قيم الحق والعدل باسم الدفاع عن العفة او تنظيف قارعة طريق المجتمع من البائسين المتورطين او المحسوبين من المتورطين في أقدم مهنة في التاريخ.. فيأتي من العراق، حيث الاخبار الفاجعة لكل ذوي فطرة او قلب سليم. مجموعة من المليشيات الطائفية المهووسة تقتحم في أحد احياء بغداد شققاً سكنية تقيم فيها مجموعة فتيات، لتنفذ فيهن حكم القتل المروع.. لتظهر تلك الصور البشعة تعلن للعالم أجمع كيف تبدو جرائم بعض البشر باسم الفضيلة أكبر انتهاك لقيم الحق والعدل والفضيلة ذاتها. ويكتب احدهم على جدار تلك العمارة: إنما هذا جزاء من تقترف الدعارة. هذا القتل يأتي باسم الفضيلة وباسم الشريعة.. والشريعة لذوي العقول والافهام والقراءة السليمة بريئة من تلك الجريمة البشعة.

إنما باسم العدل والحق والخير والفضيلة يتم انتهاك وإزهاق تلك الروح.. إن الجريمة باسم الفضيلة لهي الطامة الكبرى.. واستباحة الدم باسم العدل لهي دلائل شقوة كبرى ستطال أي فطرة سليمة لتتحول الى بؤرة انتهاك حتى ليصبح الذبح وازهاق الارواح لعبة بيد المرضى وفاقدي العقول والمحرومين من نزعة الانسان التي ماتت الى الابد في قلوبهم وعقولهم.

لم يتساءل هؤلاء الجناة المجرمون - اذا صدقت ادعاءاتهم - عن تاريخ أي من تلك النسوة. لم يقرؤوا في سجل حياتها. لم يعرفوا لماذا انتهى بها السبيل الى طريق تأنفه النفس السوية والفطرة السليمة، ولماذا اصبحن جزءاً من متعة رجل هو من يدفع بهن لطريق الفجور لأجل المال او المتعة الحرام؟

خلف كل فتاة منهن قصة مؤلمة.. إنها ضحية مجتمع معتم، ورجل باغ اثيم، ونفوس تلوثت بالظلم حتى لم تعد ترى في انحدار فتاة في مقتبل العمر لهذا الطريق سوى شهادة عليها.. وأن روحها التي اظلمت بالظلم والانتهاك قبل جسدها تستحق القتل والازهاق.

باسم شريعة الهوس العقابي الدموي، لا باسم شريعة الله وحاشا ان تكون.. يتم قتل 27 فتاة في حفلة دم، لتتراكم الجثث وهي تشكو لله ظلم البشر مرتين.. مرة عندما ساقوها الى عتمة طريق البغاء.. ومرة عندما نفذوا فيها حكم الاعدام. وعندما تصبح معايير الحق والفضيلة بيد أمثال هؤلاء فقل على الدنيا السلام.

لم يكن القضاء إلا جلاءً لملامح القضية بكل ابعادها.. واحتكاما الى الشريعة نشدانا للحق ثم تأتي العقوبة وفقا لحجم الجرم وانتهاكه وبشاعته، ووفق قانون وأحكام لا تكون عرضة لنوازع البشر التي تضطرب فيها معايير الحق بالباطل ومعايير الانصاف بالظلم، ومعايير الشهادة بالريبة.. لتأخذنا الى عقوبات قطع الاعناق وتفجير الرؤوس تحت نوازع الانتقام والحسم بالإبادة اذا ما ترك لها حبل تقرير مصير الحق والعدل.. حيث تختل المعايير وتضطرب المفاهيم وتسود نزعة الجلاد والحكم في آن.

إن الله سبحانه – وفق الحديث النبوي الشريف – كافأ بغيّاً بالجنة لأنها أشفقت على كلب يلهث من العطش فتوقفت لتسقيه، بينما أرسل امرأة عابدة للنار لأنها حبست هرة فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الارض.

هذا ميزان الله، فأين هي من ميزان بعض من ينتسب للبشر، اين هي من ميزان من يقتل في وجبة واحدة 27 نفسا بتهمة البغاء؟

إن تلك النسوة كن بحاجة أكثر لدار تؤويهن ونفس طيبة تردهن عن طريق السوء وتعيد تأهيلهن، وعمل نافع يكفيهن شر التورط بمثل تلك الاعمال البائسة..

لقد عاش صلوات الله وسلامه عليه، ثلاثة عشر عاما في مكة لم يحمل عصا او يقرع مذنبا او يشتم بغيا او ينهر سكيرا.. كان فقط يدعو الناس لكلمة التوحيد. فمنهاج النبوة لا صلة له بما يفعل هؤلاء البشر من جز الرؤوس وقتل المسلم المخالف وسحق جماجم نسوة ضعاف جرهن الرجل الباغي لعالم الدعارة، وتركهن فريسة لعقول وقلوب نزعت منها الرحمة وجافتها الرأفة وتملكتها شياطين البغي التي تزين لها أعمالها. وكم باسم العدل والحق والفضيلة ترتكب جرائم وموبقات.