كلما استمعت الى مبتعث أو مبتعثة أجد أن التجربة غنية بمكاسب خارج أسوار الجامعة. يتحدث كثير من الطلاب والطالبات خارج المملكة عن الغربة وعن تحمل المسؤولية، والاقتصاد في المصروفات وتقليص المشتريات التي ليست من الضروريات . تجربة في تحديد الأولويات، وتغيير عادة توفير المواد الغذائية في المنزل دون حاجة الى ذلك .

تقول احدى الطالبات إنها بعد عودتها من البعثة طلبت من والدتها أن تتولى شراء مستلزمات البيت من المواد الغذائية فوافقت الوالدة على طلبها وسلمتها مبلغا من المال في حدود المعتاد. أنجزت الشابة المهمة وأعادت جزءا من المبلغ الى والدتها. تفاجأت الوالدة وظهرت على محياها علامات الاستفهام والتعجب. قالت الفتاة : هذه احدى المهارات التي تعلمتها خارج أسوار الجامعة. يتحدث مبتعث آخر عن تجربته في قيادة السيارة وأنه لم يحصل على مخالفة طوال مدة ابتعاثه لأنه وجد وضوحا في الأنظمة وصرامة في تطبيقها ما أوجد حالة من الانضباط لدى السائقين بنسبة كبيرة جدا.

ولاحظ المبتعث أن جاره من أهل البلد يعتني بحديقة منزله بنفسه، ويتولى اخراج كيس النفايات من المنزل، كما يتولى تنظيف سيارته، أما الطالب الذي قدر له أن يسكن مع عائلة في أوروبا أو أمريكا فيلاحظ عدم وجود عاملة منزلية وتوزيع مهام البيت على أفراد الأسرة، كما لاحظ أن بعض الطلاب والطالبات من اهل البلد ومن بلاد أخرى يعملون في الجامعة الى جانب الدراسة لدعم ميزانية الرسوم الدراسية واستثمار الوقت في تجارب مفيدة.

أحد المبتعثين يتحدث عن تجربته ويقول إنها مرحلة من مراحل التحدي في حياة الطالب، وينصح الطالب المبتعث أن يكتشف نفسه ويكتسب المهارات والعلاقات المفيدة.

مبتعث آخر كانت تجربته الدراسية في أمريكا في مدينة صغيرة جدا تكاد تكون بحجم القرية. هذا المبتعث كانت لدية فرصة عمل في المملكة لكنها كانت في مدينة صغيرة ولم يكن يرغب في ذلك. وحين جاءت البعثة والقبول في تلك القرية الأمريكية وجد فيها ايجابيات كثيرة منها سهولة التنقل، وسهولة بناء العلاقات، وأسعار السكن المعقولة، والبيئة الآمنة التي تساعد على التحصيل العلمي.

في مؤتمر (متجاوز) الذي عقد عام 2013 في شيكاغو حضر (1000) مبتعث ومبتعثة في لقاء سعودي متميز حضرت فيه التجارب العلمية والاجتماعية ونشرت (الرياض) تقريرا صحفيا عن هذا اللقاء من إعداد الأخ صالح الحيدر.

أعود اليوم الى ذلك التقرير وأنقل (لغرض الفائدة) تجارب تستحق أن تحتل مكانا في كتاب الابتعاث. يقول المبتعث عبدالعزيز الحمدان إنه وصل الى قناعة بأن (أحسن تقويم) الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم هو أن يعتز الانسان بالخلق التي وهبها الله حتى وإن كان معوقا، مبينا أن خوف أهله من أن يشتري طبق بيض ويعود به من البقالة كان تحديا كبيرا، لأن والدته كانت خائفة عليه بأن تصعب عليه العودة، فما كان منه الا أن وضع البيض في سلة وعاد به، وتفاجأت أسرته من تصرفه فكانت نقطة التحول في حياته بأن يكون مختلفا مشيرا الى النجاحات التي حققها والتي كان من أبرزها وثيقة الحب والولاء للملك عبدالله ثم برنامجه على اليوتيوب (مختلفيشن) مؤكدا سعيه الى نقل قوانين التعامل مع المعوقين الى المملكة عقب تخرجه)

أما طالبة الدكتوراه غادة الغنيم رئيسة موقع "سعوديون في أمريكا" فأشارت _ حسب التقرير – الى تنامي وانتشار العمل التطوعي في أمريكا مشيرة الى ترابط الطلبة السعوديين من خلال الموقع الالكتروني المشار اليه لتقديم الخدمات والمعلومات للطلاب والطالبات.

تلك جولة سريعة وأمثلة محدودة من برنامج وطني استراتيجي يتضمن جوانب كثيرة ومنها الجوانب العلمية التي لم نتطرق اليها كونها تمثل الهدف الرئيس المتفق عليه من برنامج الابتعاث، ولا شك أن الحياة الجامعية وما يكتسبه الطالب من مهارات ومعارف في العلوم المختلفة، وما حققه طلابنا وطالباتنا من تفوق وانجازات علمية في مجالات مختلفة ومنها المجال الطبي، كل ذلك لا يكفيه فصل من كتاب بل كتاب مستقل ذلك أن كتاب الابتعاث غني بالتفاصيل وما سبق قراءة خاطفة ركزت على جوانب وتجارب إضافية قد تكون خارج أسوار الجامعة، ونأمل أن نعود الى هذا الكتاب لمزيد من الفائدة والمتعة والتحدث عن الجوانب الأخرى، مع التأكيد على أن هذا الكتاب مثلما يتضمن صورا جميلة يتضمن كذلك صورا سلبية وتجارب فاشلة وربما مؤلمة وهذا أمر انساني طبيعي وغير مؤثر في الجانب المضيء لبرنامج الابتعاث الذي أمد المملكة ولايزال بالكفاءات والقدرات الوطنية التي ساهمت وتساهم في مشاريع التنمية.

برنامج الابتعاث يكتسب أهميته كونه استثمارا في الانسان، وهذا سبب كاف للاستمرار فيه ودعم ميزانيته لمزيد من الاستيعاب، وخاصة في التخصصات ذات الأولوية في احتياجات الوطن.