من المعروف أن الألغاز فن أدبي معروف عند العرب ، ومنه الحوار الذي جرى بين الشاعرين عبيد بن الأبرص وامرئ القيس حين التقيا فسأل عبيد امرأ القيس عن معرفته بالأوابد وهي الشوارد من الكلام الذي يصعب تفسيره فأجابه امرؤ القيس: اسأل تجب فقال الأبرص:

ما حبة ميتة قامت بميتتها

درداء ما أنبتت نابا وأضراسا

فأجابه امرؤ القيس:

تلك الشعيرة تسقى في سنابلها

فأخرجت بعد طول المكث أكداسا

والقصة معروفة وتناولها كثير من كتب الأدب وسواء كانت حقا أو صنعاً فلها دلالة على هذا الفن الذي لا يحسن الخوض فيه غير الأذكياء. ومن فنية هذا الأدب تحديد موضوع اللغز بحيث لايحتمل السؤال أكثر من معنى، أي ألا ينطبق السؤال على أكثر من شيء واحد. وان حدث عد ضعيفا واستبعد عن مفهوم اللغز.

وقد تبع الادب الشعبي أدب الفصحى في شكل اللغز أو بنائه فجاء بيتاً واحداً كما سبق وجاء أكثر من ذلك وجاء مع بعض التوضيح والاسهاب وجاء موجزاً مكثفاً كأصله.

ومن ألغاز البيت الواحد قولهم:

وابا انشدك يا راعي المثايل

و ش مخلوق يمشي فوق ظله

والجواب:

ذاك السيل من نو المخايل

شال المال لاما انه حصل له

وتهدف الألغاز الى ترويض الفكر واشعال الذاكرة وشحذها، والابانة عن موضوعات مهمة يختارها مبدع اللغز ويتنافس المتلقون لتفسيرها فابداع اللغز استيفاء شروط ابداعه ووحدة مرماه، وقد استخدم في التعليم والتثقيف التعجيز فعد رياضة فكرية، ووسيلة تثقيفية. استخدم في المراسلات والحوادث والمجالس وجماله يتمثل في دقة الوصف وايجازه بألا يتجاوز البيتين من الشعر اذا جردناه من مقدمات المبدع التي يدخل من خلالها الى المتلقي ديباجة للسؤال.

وقد أورد الاستاذ الفاضل حمود النافع في كتابه: شعراء من الزلفي وشاعرات بعضا من ذلك ومنها:

1

ويش عوْدٍ حمل باخوه من غير زيجة

حللوا يا محللة المعاني القوية

بعد وضعه يموت وصار عقبه نتيجة

الولد حي والوالد فنى في عشية

" مساعد الغزي"

2

أنا بنشدك عن عوْد على سر الملا مامون

تحمل للامانة واجتهد واوفي بميعاده

يقوم بلازم الصاحب مع الصاحب وهو ممنون

ولياما انه حمل حانت وفاته يوم ميلاده

"محمد أبوسيف"

3

أنا بانشدك عن عبد شجاع ويضرب الأخطار

يرابط عند خط النار في دبرة معازيبه

ليا جاته الأوامر قام بالواجب وداس النار

يأدي واجبه والناس تشهد له وتدري به

"محمد أبوسيف"

هذه ألغاز كل منها في بيتين، وكانت جميعها موجهة لشعراء أخرنا اجاباتهم لنعطي القارئ فرصة للتفكير. أما الاجابات فكانت:

1

يا ابن غزّي ترى الاثنين ماهي مهيجة

مير صارت عشاقة بينهم ها السويه

ما تملّك عليه ولا نواه بتخريجة

مير حدتهم الحاجة بحسنى وسية

"أبو سيف"

وهوالظرف توضع فيه الرسائل

2

أنا اقول قولك صدق ما به يا الرفيق ظنون

ولكن عوْدك انجب عقب محداره ومسناده

يخدم المجتمع كله عجيب امره اذا تدرون

ومن بينه وبين اللي يخدمه حرب الابادة

"مساعد العنزي"

والحل هو الظرف ايضا توضع به الرسائل.

3

قرار القول يا محمد ولا باللي تقول انكار

وانا شفته بنون العين لاشِكّة ولا ريبة

ترى عبدك مليك للملا بالعسر والايسار

عساك تذوق نفع امه بعد عرفه وتجريبه

"مساعد الغزي"

و الاجابة هو الملقاط الذي يحرك به جمر النار. ويبرز أسلوب الشاعر في طرح الغازه. على أن المشكلة أن موضوع اللغز من بيئة الشاعر وحسب فهمه له والدور الذي يؤديه، ولا نسترسل في الشرح باعتبار أن قراء الصفحة من اهلها.

وهناك ألغاز مقتبسة من القرآن الكريم والتاريخ مثل:

1

ويش بنت خلقها الله لخلقه وعيظة

أحدٍ منها اهتدى واحد تزايد جهالة

زادت الناس امان الا القلوب المريضة

ما تفيد المواعظ بالمقدر ضلاله

كان تنشد عن أوصافه طويلة عريضة

خصها الله لمخلوق وقومه لحاله

"مساعد الغزي"

من الواضح أنه لغز ديني أجاب عنه محمد أبو سيف فقال:

يا ابن غزي لقيت البنت ماهي بغيضة

كل واحد يراودها على قد حاله

بيّنة بيّنة لاهل القلوب اليقيظة

والمغفل مغفل مكسبه راس ماله

سميت باسم شيخ له زيارة فريضة

في بداية شهر شوال غرة هلاله

والاجابة هي مائدة عيسى عليه السلام.(تكون لنا عيداً). والواقع أن اللغز اذا تجاوز البيتين اما أن يربك أو يشتت ذهن المتلقي. وكما تقدم فان الاجابة غالبا ما تكون غير مباشرة وفق ما تقدم وانما يضيف اليها المجيب اضافات توضيحية.

ألغاز النافع كثيرة ومفيدة لشعراء من جيل سلف لما يزل أسلوبهم محتفظا بموضوعاته، ويمكن الرجوع للكتاب ففيه من الفائدة والمتعة شيء كثير.

ومن ألغاز وتساؤلات العصر ما يواكب ما سلف ومنه ما اختلف يقول الشاعر الينبعي محمد الحيدري:

أبغى اسألك يا معلم طب

تفيدني بالعجل ذا الوان

هو الهوى من أساكل حب

والا منزل من القرآن

ويجيبه الشاعر ابو حمرون:

أفيدكم قدر ما ياجب

هاتف مسلط على العربان

والكل فيما اعجبه يطرب

على كذا تعمر الاكوان

والعربان بمعنى الإنسان والهوى كل ما يهوى الانسان. وسؤال آخر لشاعر غير معروف:

أسألك يا معتصم بالرب

سوال أبغى اجابته

اللي رسب في امتحان الحب

يعيد والا الهوى فاته؟

وربما أجيب عن هذا التساؤل ويؤسفني ألا تكون الاجابة لدي. ومن الالغاز القديمة

1

وش الذي مر كالحنظل

مثل العسل في مجازاته

ياكم مع العقل له منزل

جربت مره ولذاته

2

وش خود تهوى لها رجال

لاماه وليامها راحة

الخود ما تنشري بالمال

وبكل مثمون رجّاحة

3

حيوان أخرس تكلم ليش

يوم الركب سار متعدي

يشرب وياكل كمانا عيش

ويمشي على الدرب متقدي؟

4

وش الذي نال ما ناله

وفضله عن بني جنسه

ما كان يخطر على باله

ولا كان يخطر على هجسه؟

5

جندي هرب واهمل المخفر

واحتلّت الشمس منزاله

لما رجع واعتذر واخبر

ازداد بالحق معداله

والاجابات كالتالي:

الصّبْر، 2-العين والنوم، 3-النمل(يا أيها النمل..)،4-كلب أهل الكهف،5-الهدهد(و تفقد الطير..)

وما زال المجتمع الشعبي يولي الألغاز والتساؤلات اهتماما بالغاً لما تجلبه من متعة و معرفه و ما يترك من مشاعر الاعتزاز لدى صاحب اللغز عندما يصعب حله أو يشاد به، و الاعتزاز ايضا لدى من عرف الأجابة، وفي ذلك يقول الشاعر:

أنشدك عن راعي رعيه ومصلاح

ما يفرح الا يوم ياتي ذهابها

وجه لها العرّيْف في كل مسراح

ولا غاظه الا اللي لقيها وجابها