الذين يستمتعون بحكايات التراث وعادات أهلنا في شبه جزيرتنا ستلتفت أنظارهم إلى غرابة العلاقات والحكايات الطريفة بل وظرافتها. البعض منها مُدوّن والبعض الآخر شفهي. والمدوّن منها عادة يأتي كمقدمة لقصيدة أو محاورة بين شاعرين. ومن هنا أقول بصدقية الحكاية.

فالرشوة – مثلا – لم تكن موجودة بالحجم الذي نعرفه الآن، فالبطيخ وسطل اللبن مقبولان من صاحب مزرعة ك " هدية " جيدة إلى المسؤول أو أحد رجاله. كذلك لم يتوقّع " المُهدي " ثوابا أو معروفا بديلا، ويكفيه أن المسؤول ممنون منه، ويكون ذا مقام مُقدّم في المناسبات.

أمورنا كانت مُبسّطة حتى ب " الإدلاء بما نقدر عليه إلى المسؤول"، لكنها لا تخلو من التقرّب غير المُبرر. وأظن أن تلك الاجتماعيات كانت بدايات ثقافة الرشوة والمجاملة والمحسوبية وتقديم هذا على ذاك. هذا داء اجتماعي يندر في مجتمعات بشرية أخرى ويتوفّر في الشرق عامة.

وذكر لي شخص كان والده يرحمه الله يعمل في الحسبة. وقال إن والده تلقّى دعوات "على القهوة " من طبقات مختلفة من المجتمع. كذلك كان منزله يزدحم بهدايا من نوع التمور في مواسمها واللبن والزبد. ولا أحد كان يعرف ما هو العائد من كسب فاضل يعمل في الحسبة.

وثمة أنواع من الرشوة لا يمكن القضاء عليها بهذه السهولة. وهي النفاق والتزلّف، والمصاحبة والمرافقة تعطيان للمرء في معظم الأحيان ميزة ليست من حقه.

صنّف المصلحون هذا النوع من الرشوة بكونه الاستنفاع بمعرفة ذوي الجاه. وصنفه آخرون بأنه الكسب غير المشروع.

وروت نوادر عرب الجزيرة العربية القدماء أن والياً أراد أن ينفع واحداً من اقاربه الذين لم يجدوا المنصب المناسب لقصر ذكائهم. فعيّنه على وظيفة "مأمور الدجاج". ومن ضمن مهام العمل الجديد أن يدخل ذلك الموظف على الوالي كل صباح... عندما يلتم شمل المجلس، وقد ارتدى أحسن حلله، ويعمد الى الوالي ويقرّ في أذنه همساً لا يسمعه أحد. ويعطيه "إيجازاً" يوميّاً عن شأن الدجاجة الفلانية.. والديك الفلاني وكل ذلك همس غير مسموع، ثم ينصرف.

وبعد فترة وجيزة كبر شأن الموظف الجديد.. وانتظره الناس في مطالبهم..! وازدحمت أجندته بالمواعيد.. وصار يحصل على مبتغاه بسهولة وهو "مأمور دجاج".