ترى برضَّكَ لين تعض الأرض..

جملة التهديد والوعيد، يطلقها عبيد في كل وقت على أولادة الصغار!، يعيشون في رعب لان واقعهم ما يشاهدونه في البيت من فداحة تصرفات والدهم عبيد واستهتاره بوالدتهم وتهديده لها بالطلاق والضرب، دائماً في حالة ذهول وصمت.

الجيران في حارة عبيد يهابون منه "مزعج وعربيد"، يهرب منه الصغار إذا شاهدوه قادماً للحارة، بعضهم يقول: "انحاشوا ترى جاكم راعي الخرشه!".

جارتهم أم فهد في كل يوم تشتكي لزوجها من ازعاج عبيد لهم إذا ارادوا أن يناموا "يرقدوا" في السطح، عبيد يشرب في سطح بيته الخرشه "كلونيا" ويشغل شنطة الاسطوانات ويستمتع بغناء عوض دوخي ومحمد زويد، يطق أصبح وبأعلى صوته "عاشوا عاشوا"، أبو فهد اذا صادفه وحاول ان يتكلم معه عن ازعاجه لهم عند المبيت، يتردد إذا شاهد عينيه الصفراويتين، ابو فهد يخاف من حدث لا يعلمه، يعرف انه ليس بالعاقل في حينها.

راعي الدكان عثمان قال في جلستهم المعتادة "المشراق": "الا الحين انتم مغير تمددون رجلينكم في ذا القايلة وذا السكران مزعجن ذا الجيران، ورى ما توقفونه عند حده؟"، قال له امام المسجد وهو يغسل فنجانه في سطل أحمر مليء بالماء، وش تبينا نسوى نروح نبلغ النقطة "الشرطة" ما علينا منه، فيه الله بيحاسبه عنا وعن عياله الضعوف.

عبيد يعمل قارئ عدادات للكهرباء صباحاً، لكن حاله يتطور من طق أصبح وعاشوا في الليل إلى تربية الحمام عصراً، عمدة الحارة والمسؤول عن جلسة المشراق يفكر في التخلص من عبيد "العربيد".

ذات يوم وهو يتابع الحمام يطير في السماء، شاهد احداهن على سطح جارة أبو فهد، حاول أن يهشها بعصى في آخرها خرقة "قماش" أحمر. لكنها لم تتحرك، نادى بأعلى صوته لابنه، يعرف انه "وقيع" تعال يعنبوك رجم ذا الحمامة خلها تطير، الابن من خوفه ترتعش يده، راح يرجم بالحصى الذي امنها له والده، كلها تسقط في "بطن حوي أبو فهد" واحده اصابت أم فهد وفجت راسها.

أبو فهد جالس مع راعي الدكان عثمان يسولفون عن الحي ويشربون البارد، إذ يتفاجأ بأولاده مسرعين نحوه: "يبه يبه.. تعال شف أمي ترى فلقها عبيد مع قمة راسها"، ينهض في عجل لبيته القريب، ويرى زوجته تضع على "الفلقة" قهوة لوقف النزيف، ابو فهد وشفيك، قالت: "والله مادريت الا ذا الحصى يتناثر في بطن حوينا، من عبيد الله يشق به".

هناك يكون الغالب على الجميع السماحة والطيبة في كل تصرفاتهم، البيئة حكمت عليهم بهذا المبدأ الجميل، يذهب ابو فهد لعبيد ويطرق بابه، تفتح الزوجة، سم يا ابو فهد، قال: "والله ناصي عبيد، بشوف وشبلاه علينا، حتى أم فهد ماسلمت منه"، زوجة عبيد السمحة: "ما يخالف يا أبو فهد دوكاه في الروشن، أرق له وانا الحقكم بالقهوة".

يصعد على درج ضيق للروشن، يسلم وينظر لشراب "الكولونيا" الخرشه أمام عبيد، كانوا يستخدمونه لتطهير يديهم بعد الأكل، بعضهم يشربه، قال ابو فهد: "يعنوبك متى بتعقل وتفك نفسك والناس من غثاك؟، قبلك تشرب ذا اللهنات وموذين جيرانك؟، أنت ما تدري انك فالقن أم فهد وناثرن دمها؟.

ببساطة يرد عبيد: "مير أجلس خنتقهوى وبجيب لك الولد اللي مرجمكم ورَضَّه رضَّ!".

هكذا كانت بداية الاعتدال، في لحظة مراجعة النفس واسترجاع الماضي ومشاكلة مع الجيران وصبرهم عليه، قال بعد حين من الصمت: والله يا ابو فهد ان الغثى مطاردني بسبب ذا الكلونيا! لكن دوكاه خذه وكبه.. والله معد اقربها، مدام ان أم فهد انفلقت.

منّذ ذلك اليوم وعبيد يتغير، ينهي عمله في قراءة العدادات ثم يعود لجلسة المشراق يحتسي معهم القهوة والشاي يستمتع بحديثهم ويجلس عند الدكان في جلسة عصير ويسهر مع جيرانه في سماع الاسطوانات في روشنه، تغير الحال إلى حال وأصبح أبا مثاليا اشترى لعياله تلفزيون ورادو. ربما الحمام القطيفي ورأس أم فهد كانت نقطة تحول في حياة عبيد وأولادة. وصبر جيرانه أتى بالفرج.