بلا شك، يُعد الإعلام بمختلف أشكاله ومستوياته، السلطة الأقوى والأخطر، والتي تُمارس دوراً مهماً في صياغة وتشكيل وتوجيه الوعي والمزاج والسلوك المجتمعي العام، بل إنها - أي سلطة الإعلام - تُسهم وبشكل كبير وخطير في تحديد مسار وهوية وشخصية المجتمعات والشعوب، خاصة في مثل هذه المرحلة الحرجة من عمر العالم الذي يقع تحت تأثير دائرة الإعلام، لاسيما الجديد بكل وسائله ووسائطه وتقنياته المختلفة.

لقد استطاع الإعلام الجديد، كإحدى النسخ الحديثة للإعلام، أن يُكثّف الواقع المعاصر بكل تفاصيله وتداعياته ويُحيله إلى شاشة صغيرة أو لوحة الكترونية في جهاز تفاعلي، ولكنها - أي تلك الشاشة أو تلك اللوحة - في الواقع الحقيقي عوالم من السحر والبهجة والمتعة، تتماهى مع العلم والمعرفة والثقافة والفن والسياسة والاقتصاد والرياضة. عالم مثير حد الدهشة، وتقنية متقدمة حد الخيال.

إن خطورة الإعلام وقوة تأثيره، لا تكمنان فقط في قدرته الفائقة على ولوج الفضاءات والسماوات والحضارات لبث الوعي والفكر والتجربة في واقع المجتمعات بأفرادها ونخبها وفئاتها، ولكن خطورة الإعلام الأكثر فداحة هي ممارسته التضليل والخداع والتزييف، أي أنه سلاح ذو حدين، تماماً كما هي الحال مع أغلب الوسائل والاشياء.

وتُعتبر القنوات الفضائية، وهي الوسيلة الأكثر شعبية على الإطلاق من بين الوسائل والأشكال والوسائط الإعلامية الأخرى، لما تتمتع به من قدرات وإمكانات وتأثيرات وإغراءات، جعلتها قريبة جداً من عقل وقلب الإنسان، مهما كان هذا الإنسان.

ففي سماء العالم، تنتشر أكثر من 5000 قناة فضائية بمفهومها المحدد والمعروف. وفي فضاء العالم العربي وحده، ووفقاً لاتحاد إذاعات الدول العربية وهي منظمة منبثقة من جامعة الدول العربية ومقرها مصر، توجد 1320 قناة فضائية عربية، مقسمة إلى 776 هيئة حكومية وخاصة (26 هيئة حكومية و750 هيئة خاصة)، بواقع 151 قناة متخصصة و146 قناة رياضية و66 قناة اخبارية و125 قناة دينية.

أعرف أنني تأخرت كثيراً قبل أن أصل إلى فكرة هذا المقال، وهي الكتابة عن واقع التلفزيون السعودي الذي مازال يعيش نشوة احتفالاته الكبرى بمناسبة مرور 50 عاماً على بداية الارسال الاذاعي والبث التلفزيوني، ولكنني فضلت تلك المقدمة الضرورية عن خطورة وتأثير الإعلام، مصحوبة بتلك الارقام المثيرة للقنوات الفضائية العربية.

إذاً، 50 عاماً من البث التلفزيوني السعودي، وهي بلا شك فترة زمنية طويلة، تخللتها صعوبات وعقبات وتحديات وتطورات.

7 يوليو 1965، بدأ البث الرسمي من محطتي الرياض وجدة وباللونين الأبيض والأسود، وكان الارسال على قناة واحدة وهي قناة المملكة العربية السعودية. رحلة طويلة وشاقة وحافلة، خاضها التلفزيون السعودي، كانت مليئة بالكثير من الانجازات والمكتسبات، تماماً كما تعرضت للكثير من الاخفاقات والتراجعات. عام 2012، تم تحويل التلفزيون والاذاعة السعودية إلى هيئة الاذاعة والتلفزيون، وهي هيئة إعلامية تتمتع بالخصوصية والاستقلالية الكاملة، كما أكد ذلك وزير الإعلام وفي أكثر من مناسبة.

بقناتين فقط وبامكانات وقدرات محدودة جداً، استمر التلفزيون السعودي لسنوات طويلة، ولكنه الآن يملك باقات متنوعة ومتعددة من القنوات الفضائية التي تُغطي سماء الوطن، بل والسماوات الأخرى، وهي تُمثل الوجه الحضاري والبعد الإنساني والتطور المجتمعي لهذا البلد الذي يُنظر إليه عادة بشكل مختلف، وترصد سكناته قبل حركاته.

التلفزيون السعودي، وعطفاً على امكاناته وقدراته المادية والبشرية الاستثنائية، إضافة إلى الثقل الديني والاقتصادي والتاريخي الذي يتمتع به هذا الوطن العزيز، لم يصل بعد إلى المستوى الذي يستحقه كأحد أهم التلفزيونات العربية. السؤال هنا: ما هي الاسباب الحقيقية التي أبعدت التلفزيون السعودي عن صدارة المشهد الإعلامي العربي، ليحتل مكانة متراجعة لا تتناسب مع قدراته وامكاناته؟

لا أملك إجابات شافية لذلك السؤال الكبير، ولكنني سأضع عشر معوقات ادت إلى هذا التراجع في مكانة التلفزيون السعودي.

الاولى، هي الفكرة النمطية السلبية التي مازالت راسخة في ذهن المشاهد السعودي والعربي عن التلفزيون السعودي، وكل التطورات والتغيرات والقفزات الحديثة لم تشفع له، ولم تستطع ان تُزيح تلك النظرة النمطية.

الثانية، هي "الخصوصية" المزعومة التي عطلت الكثير من المبادرات والتحولات والانفتاح على الثقافات والانماط والاساليب الأخرى التي ساهمت بتقدم وتطور وتصدر التلفزيونات الأخرى.

الثالثة، وهي أن التلفزيون السعودي يتعامل مع كوادره كموظفين لا كإعلاميين، وتلك معضلة كبرى، خاصة في مجال متجدد ومتطور ويعتمد على الابداع والتميز والخلق والابتكار.

سلم الرواتب والوظائف والواجبات والمهام في التلفزيون السعودي لا تختلف عن أي وزارة أو هيئة أخرى كالصحة والتعليم والمواصلات.

الرابعة، أن الاجواء العامة في التلفزيون السعودي ليست جاذبة، فالاجور متواضعة جداً، والتدريب والتهيئة والصقل سواء داخلياً أو خارجياً غير موجود تقريباً، لذا يعتبره الإعلاميون الطموحون مجرد محطة أولى لا أكثر.

الخامسة، أن التلفزيون السعودي بلا طابع او هوية أو لون خاص، تماماً كما هي الحال مع اللون الكويتي أو اللبناني أو المصري.

السادسة، التلفزيون السعودي تقريباً غير متواجد تقريباً في وسائل ووسائط الإعلام الجديد الذي يُعتبر الآن هو الفضاء الإعلامي والإعلاني الذي يُسهم في الترويج والتسويق والشهرة. القنوات الفضائية السعودية على الأغلب بلا مواقع الكترونية تفاعلية.

السابعة، هو التذرع الذي يحمله المسؤولون عن التلفزيون السعودي بأنه تلفزيون حكومي، وهذا مشكلة كبرى لن تُحل إلا حينما تُدار الهيئة بأسلوب القنوات الخاصة، دون التخلي عن بعض الاعتبارات طبعاً.

الثامنة، هي عدم كسب حب وثقة واعجاب الشباب وهم الشريحة الأكبر والأهم، بل والمقياس الحقيقي لنجاح أي تلفزيون، إذ لا تكاد تجد في التلفزيون السعودي برنامجاً ذكياً يستقطب هؤلاء الشباب كبرامج الترفيه والهواة والمواهب كستار أكاديمي وأرب قوت تالنت وذا فويس وغيرها من البرامج التي يعشقها الشباب.

التاسعة، وهي الحضور الضعيف للمرأة رغم انها تُمثل التوازن المجتمعي، إذ يقتصر دورها عادة في تقديم الفقرات الصباحية البسيطة، ما أبعد الأسرة السعودية التي تُمثل المرأة فيه الثقل الأكبر عن التلفزيون السعودي، ومتابعة القنوات الأخرى.

العاشرة، وهي عدم وجود معاهد فنية أو مسرحية أو سينمائية أو مراكز إعلامية متخصصة في صناعة الكوادر الفنية والإعلامية، وهي المحاضن والبيئات المناسبة لتخريج طاقات إعلامية وفنية مؤهلة للعمل والإبداع والتميز في جهاز خطير جداً كالتلفزيون.

نعم، المعوقات كبيرة وكثيرة، ولكن تجاوزها ليس بالأمر المستحيل، هذا في حالة الاعتراف بها أصلاً..