يبادر البعض بعمل مشروع خيري في أحد الأحياء على حسابه الشخصي، إلاّ أن ذلك المشروع قد يتعثر لنقص المال، وعلى الرغم أن مبادرة مثل هؤلاء تُعد مهمة ومطلوبة، إلاّ أن تعثرها يُعد أمراً غير جيد، خاصةً إذا ما تحولت بعد إقامة نصف المشروع إلى أسلوب"الفزعة" في جمع التبرعات، والتي غالباً ما تكون بصورة عشوائية، وهي الطريقة التي أصبحت تعتمد على رسائل "الواتس آب" وحسابات "تويتر" في الترويج لها، أو حتى عن طريق إمام مسجد الحي.

نحن لسنا ضد التبرعات، لكن لماذا لا يكون هناك ضوابط لإقامة المشروعات الخيرية؟ كاشتراط مبلغ المشروع كاملاً، على أن يوضع في حساب بنكي يغطي تكاليفه، حتى لا يأتي صاحبه بعد فترة ويقول: "لقد تعذر علي إكماله"، وهنا يُثبت "ملاءته" وقدرته المادية، على أن توجد جهة رسمية تراقب المشروع وتدعمه في حال التعثر.

ولكي نُساهم في دعم المشروعات الخيرية التي لم يستطع أصحابها إكمالها، لابد أن تكون المبالغ المسلمة عن طريق البنك، حتى يتيسر مراقبتها ومعرفة قدر المال، وحتى لا يكون هناك مجال للتلاعب، فالحاصل أن هناك من يعتمد على أسلوب "القَطَّة"، والتي يتم جمعها بطريقة غير منظمة من الناس، مما يجعلها عرضة للاستغلال بطرق غير مشروعة.

ضبط ومراقبة

وقال "د.مسعود الغامدي" -مختص في الأمور الشرعية والسلوكية وداعية إعلامي-: إن الأصل في عمل الخير والإقدام على المشروعات الخيرية مطلب شرعي، وهو عمل إنساني ينبغي أن يستمر وأن يُحمس الناس على ذلك، أمّا طريقة تنفيذها فكلما كان هناك ضبط ومراقبة كلما كان ذلك أفضل، حتى لا تُستغل إما لأغراض شخصية، أو لأغراض مخلة للأمن، مُشدداً على ضرورة رقابة الأعمال الخيرية المتعثرة من قبل الشخص الذي رغب بالتنفيذ من ماله الخاص، حتى لا يأتي سوء الاستغلال في هذه المسألة، مبيناً أن ذلك يتطلب أمرين؛ الأول فتح الجهات المعنية المجال أمام الجمعيات الخيرية لتنظيم التبرع، على أن يكون هناك مرونة في جمع التبرعات، ذاكراً أن الأمر الثاني هو أهمية وجود دقة كبيرة على محاسبة الجمعيات في ذلك العمل.

وأوضح أن للجمعيات الخيرية جهة تراقب وتدقق في مثل تلك النشاطات الخيرية، لكن هناك جمعيات يُضيّق عليها في جمع التبرعات وذلك خطأ، مؤكداً على أنه ليس هناك جهة محددة تراقب من يجمع التبرعات بشكل شخصي لمشروع خيري متعثر، فهناك الكثير من الأشخاص من يجمع التبرعات بطرق مختلفة عن طريق أبناء الحي أو بعض رجال الأعمال دون أن يسن نظام لرجوع هذا الشخص إلى جهة معينة تراقبه وتعرف أسبابه والمبالغ التي يجمعها، فحتى الآن مازال ذلك يحدث بشكل عشوائي وشخصي.

توثيق رسمي

وأكد "د.عبدالعزيز القنصل" -أستاذ العقيدة في جامعة الملك خالد- على أن جمع التبرعات للمشروعات الخيرية أمر مشروع، فالنبي صلى الله عليه وسلم جمع لبعض القبائل تبرعات وقدراً كبيراً من المال، حتى أصبح لديه "كومة" كبيرة من الطعام والشراب، بل وصله مال عجزت عنها يده، مما جعل المنافقين يحاولون إثارة الشكوك حول تلك التبرعات، وأن الله غني عن هذه الأموال، مبيناً أن هناك في العصر الحالي من يُثير الشكوك حول بعض المشروعات الخيرية، وأنها قد تذهب إلى غير موضعها، لافتاً إلى أن جمع التبرعات لإكمال المشروعات الخيرية المتعثرة أمر جيد، لكن بشرط أن تكون موثقة ولا تكون بشكل عشوائي، مؤكداً على أن المشكلة الكبيرة لدينا حينما نفتح الباب على مصرعيه لمن رغب دون أن يكون هناك رقابة ومعرفة بأن هذه الأموال في أيد أمينة.

وأضاف: لابد من وجود التنسيق الجيد حتى تذهب التبرعات في طريقها الصحيح، مبيناً أنه في حال شح المال لدى الداعم الأول فيجب أن يكون هناك جمع للتبرعات لإكمال المشروع، على أن يكون تحت مظلة رسمية، وإن تعذر، فلا يتم استلام أي قدر من المال إلاّ بمراقبة ومعرفة، على أن تكون المبالغ المسلمة عن طريق البنك حتى يتيسر مراقبتها ومعرفة قدر المال، حتى لا يكون هناك مجال للتلاعب.

اشتراط مبلغ المشروع كاملاً يُثبت قدرة المتبرع مادياً ويضمن عدم تأخر التنفيذ

توقف المشروع

وأوضح "د.القنصل" أن محاولة تحجيم التبرع للمشروعات المتعثرة الخيرية يُسهم في تقليل مبادرات عمل الخير ودعمه وقد يتوقف، فمن ينوي على سبيل المثال أن يبني مسجداً ثم يجد أنه لا يملك إلاّ مليوناً وخمسمائة ألف ريال، ثم يفكر ألا يبدأ إلاّ حينما يكتمل لديه المال قد يعدل عن الفكرة بعد فترة، فيدخل الشيطان في نفسه، ويصرفه عن ذلك العمل الخيري، لكن حينما يقدم على ذلك العمل الخيري ثم إذا شح المال يجمع التبرعات بطرق موثقة ومراقبة فإن ذلك شيء جميل، مبيناً أنه ليس بالضرورة أن يقدم لهذا الشخص مال سائب، فقد يأتي أحد من أبناء الحي ويوفر الحديد ويأتي الآخر ويوفر الأسمنت وهكذا، وذلك هو عمل الخير الجيد، بدلاً من الانصراف عن العمل لمجرد أننا لا نملك المال الكافي أو الكامل لإتمام ذلك المشروع، فذلك أمر غير منطقي.

اشتراط المبلغ

ورأى "د. طارق الحواس" -عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- أن وزارة الأوقاف نهجت نهجاً جيداً ولو تم اتباعه في الأعمال الخيرية لكان ذلك هو الأسلم في وقف تعثر المشروعات، مضيفاً أن الوزارة حينما يأتي شخص ليتبرع فإنها تشترط أن يوضع المال كاملاً في حساب بنكي يغطي تكاليف المشروع الذي رغب في تبنيه، حتى لا يأتي بعد فترة ويقول لقد تعذر علي إكماله، مؤكداً على أنه حينما تعمل وزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية والجهات المعنية على إشتراط المبلغ كاملاً فإنه من المتوقع إنهاء المشكلة، مشيراً إلى أنه في حالة تعثر المشروع الخيري لمن تبرع بإقامته كاملاً فالتبرع من أجل إكماله أولى من جعله غير مهم، ذاكراً أنه حينما يعلن صاحب المشروع أن أمواله لم تعد تكفي، فيجب أن تتكفل جهة رسمية بجمع التبرعات، على أن يعلن عنها ويعلن عن أرقام الحسابات حتى يكون عليها مراقبة، وحتى لا يستغل أحد الأشخاص ذلك فتصرف الأموال في غير موضعها أو توجه إلى غير العمل الخيري.

صندوق الحي

وأكد "د.الحواس" على أن هناك من يستخدم أسلوب الرسائل الإلكترونية للإعلان عن مسجد متعثر، ويدعو الآخرين للتبرع، وذلك أسلوب غير جيد؛ لأنه مدعاة لاستغلال الناس وأموالهم، وقد حدث ذلك من أُناس لم يكونوا أمناء، فاستخدمت تلك الأموال في غير موضعها، وألحقت بالبلاد الكثير من الضرر، وربما دُعمت بها جهات خارجية، مبيناً أنه يُحب في الناس حبهم للمشاركة في الخير، لكن هل هذا يتعارض مع أن نكون شعباً منظماً في كل شيء، وأن تكون أعمالنا صريحة وليس هناك شيء شخصي، مُشدداً على ضرورة أن تكون المشروعات واضحة والتبرع بشكل ظاهر ومنظم من قبل جهة معنية، لنقطع على المتربصين بالوطن أي طريق للوصول إلى أهدافهم.

وشدّد على ضرورة أن يكون هناك صندوق للحي مُقر من الجهات الرسمية، وأن يكون له إدارة وأمناء، ويكون له حسابات معلنة، مضيفاً أنه في حال احتاج الحي لمشروع خيري فإن مثل هذا الصندوق يدعمه، مشيراً إلى سنوات سابقة كانوا حينما يحتاج الحي فيها إلى "برادة ماء" يضطرون إلى الوقوف على الأبواب لتشجيع الناس على التبرع، وكذلك حين إقامة حفل لمن حفظ القرآن الكريم فإنهم يضطرون إلى جمع المبالغ البسيطة، ذاكراً أنه لو وجدت مثل تلك الصناديق لاستمر عمل الخير دون انتظار معونة أحد.


فكرة صندوق الحي جيدة وتدعم بعض المشروعات الخيرية كتحفيظ القرآن

د.مسعود الغامدي

د.عبدالعزيز القنصل

د.طارق الحواس