تستغفر الله بعد صلاتها ثم تهّم كعادتها لتجهيز افطار زوجها من "المراصيع" المدهونة بالسمن وكوب من الحليب المغلي على حطب تشعله قبل الصلاة. هذا هو نظام سارة التي يصب جل اهتمامها بزوجها وكأن الدنيا بدونه لاشيء، في غالب الأمر تكون الرهبة أكثر من أي شيء.! محمد يشرب الحليب المغلي ثم يذهب لركوب "الملاحية/باص صغير" متوجهة لـ"الرياض" لمزاولة عمله في احدى الدوائر الحكومية. مختلف عن بعض أهل القرية يزاولون الزراعة لا يعرفون العلم "الدراسة"، بعضهم يقول :" يازين الدراسة" نظراً لقدرة محمد على الكتابة والتعبير.

في القرية لا يوجد بها الا مدرسة ابتدائية ومدرس سعودي للدين والآخر فلسطيني مدرس حساب، يتركون بقية المواد عليه ريثما يأتي مدرس آخر. ابن محمد "سعد" من ضمن الطلاب ومدرك للعلم كوالده الذي يغيب طوال النهار في العمل حتى تأتي الملاحية مساء.

ذات يوم سلك قائد الملاحية الشهيرة طريقًا بريًا لأجل اختصار الطريق المعبد، ظل في عناد مع ركاب"الملاحية/الباص" الآتين من القرى الاخرى، يعرفون هذا الطريق جيداً.. مليء بال"حنشل/قاطعي الطريق"، لكنه أصر على ذاك الطريق، في منتصفه ظهر عليهم مجموعة من قاطعي الطريق، يعرفون ان الركاب موظفون وفي هذا اليوم الذي يتسلمون رواتبهم. "الحنشل" صادروا كل "دراهمهم" وتركوهم يعودون إلى قراهم، الا أن "السائق" طوال الطريق يحلف لهم أنه سيعيد لهم ماسُلب منهم بأي شكل كان.

سارة تقول لولدها سعد :" قمَّ اظهر شف ابوك وراه صيف/تأخر اليوم.. مهيب العادة" ، يعود الولد من الوادي الذي يعتبرونه موقفًا ل"المالحية":"يمه.. تراني مالقيت ابوي" ، تأخذ سارة جلال تضعه على رأسها وتذهب لبيت والدها ، الابواب في تلك القرية لا تغلق ، بينهم علاقة حميمة ووّد ونسب و"ثقه" ، تدخل بيت أهلها ، والدها الكبير بالسن مستغرباً زيارتها في هذا الوقت:"عسى مافيكم شي ياسارة؟" ، تأخذ نفساً عميقاً وتجلس امام والدها وتشرب ماء يضعونه في "غضارة" ، تقول:" حاسني قلبي أن محمد صايرن فيه شي ، والا ما يصيف لذا الحزَّه" والدها ينظر لها باستغراب وعيناه متطايرتان:"بين عشاوين.. ولا بعد وصل.!؟ قبلي أقول له خلك فيذا ، بس ما يوحي كنه أصمخ ، وشوله يطامر ويدخل ل"الرياض" علشان كمن قرش".

ماهي الا لحظات ويصل محمد منهك الجسم والبال ، يفكر في راتبه الذي سلب منه بسبب عناد السائق ، "تصرفات بعض الناس العشوائية ، قد تسبب مشاكل للآخرين". محمد يدخل بيته وينادي:" هيش هيش"، يظهر سعد، :"ترى أمي راحت لبيت جدي ، تبيه يقوم يدورك". يذهب لهم مع ابنه سعد:" يدخل عليهم، يجدها في حال يرثى لها بسبب تأخره، لكن والدها "الشايب" ينهره فوراً :"قبلي اقولك اجلس في نخلك، بس ماتطيع شوري كنك ملحوق"، الولد سعد: "أي والله يبه، خلنا فالنخل"، سارة تقول لسعد: "تشب بس.. خل الكبار يحكون والا صكيت الغضارة على دمجتك" ، الحديث يطول بين محمد وخاله، يقتنع حينها أن النخل الذي تركه لمرعى البهايم هو أولى بالاهتمام.

بعد أسبوع محمد لايذهب لاداء العمل المعتاد، اجتهد لاعادة النخل على طبيعته ، يتفاجاء بسائق ال"ملاحية"قادماً على رجليه، :"يامحمد .. انا وعدتك اني برد الدراهم اللي سرقوها الحنشل.. وهذي هي"، محمد مبتسماً منتشياً، يأخذه بيده:" الا.. مير اقلط تحت العريش وخلنا نتقهوى"، السائق:"لابدن.. دوك الفلوس أول ثمن ابقلط" ، ياخذها ويعرف انه باع "الملاحية/الباص" ليقوم بتسديد رواتب الموظفين وانهاء اليمين التي قطعها بسبب عنادة.

سنوات طويلة .. محمد يستغل"النخل/مزرعته" يصدر الخضروات ل"الرياض"، بينما ابنه سعد يتعلم حتى وصل إلى الجامعة، يلتقي بهم الطموح حتى لو تعددت سبل الوصول إليه.

بعد سنوات يبيع المزرعة بعشرة ملايين ريال لرجل اعمال ويتبع ابنه سعد الذي حتمت عليه ظروف العمل بالانتقال إلى "الرياض".. الآن هُم من الرجال المستثمرين الناجحين.