غادر الرئيس الأميركي الرياض ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما انتهت اليه الاجتماعات باستثناء من حضرها. ومع ذلك فهناك مؤشرات إيجابية من تصريحات بعض مرافقي الرئيس حول تأكيد واشنطن بتمسكها بالتزاماتها. طبعا لم يكن من الضروري ان تخرج القمة بقرارات وتغييرات جذرية في السياسات وهو امر غير متوقع أصلا وليس مطلوبا ايضا الآن. كان كافيا ان تدفع هذه الزيارة بحلحلة المواقف تدريجيا انطلاقا من تقويم العلاقات ما بين البلدين على خلفية احداث المنطقة. صحيح ان ما يجمع علاقات تاريخية واستراتيجية ولكنها بالتأكيد لا تعيش أفضل حالاتها.
كانت القمة قمة مصارحة ومكاشفة، لأنه من غير الطبيعي ان تفرط الدولتان في علاقة استراتيجية تجاوزت الثمانية عقود، لا سيما وقد استطاعتا في الماضي تجاوز الكثير من العقبات وفترات التوتر والجفاء والفتور، ما يعني ان الأرضية صلبة وراسخة مهما اعتراها من منغصات ومؤثرات. ومع ذلك هناك تباين غير مسبوق على
يبدو أن الرياض كشفت كل الأوراق من أجل أن تدرك واشنطن حجم المخاطر والتحديات المحيطة، ما يستدعي إعادة النظر في سياستها بما يخدم أمن واستقرار المنطقة..
كثير من الملفات الساخنة لاختلاف الرؤية وعدم اتفاق على ترتيب الأولويات، ولذلك يبدو ان الرياض كشفت كل الأوراق من اجل أن تدرك واشنطن حجم المخاطر والتحديات المحيطة، ما يستدعي إعادة النظر في سياستها بما يخدم امن واستقرار المنطقة.
ولعل المتابع للتعاطي الاميركي مع قضايا المنطقة يصل لقناعة بأن رهاناتها قد فشلت من دعمها للإخوان المسلمين الى تراجع عملية السلام مرورا بانهيار المساعي الدبلوماسية في الملف السوري وانتهاء بمماطلة إيران في اتفاقها مع الغرب في ملفها النووي، ما دفع البعض ان يتساءل عن وعود الرئيس اوباما التي تعهد بتنفيذها في خطابه للعالم الإسلامي حيث اتضح انه خطاب علاقات عامة بدليل أنه لم يستطع ترجمة مضامينه إلى واقع وتنفيذ ما وعد به.
ولم يعد سراً ان السياسة الاميركية خلال الثلاث سنوات الماضية كانت من الضبابية والغموض لدرجة انها أربكت المشهد السياسي وهو ما نتج عنه ارسال إشارات خاطئة الى حلفائها وأعدائها على حد سواء، ما ادخل المنطقة في حالة من الضبابية والارتباك، لاسيما في ظل إفرازات سلبية للأحداث وصعوبة اتفاق الأطراف المؤثرة على تشكيل الواقع الإقليمي الجديد لاختلاف الأجندات والأهداف.
إن خادم الحرمين الشريفين بعروبته وصراحته وحزمه يؤكد اهتمام بلاده بقضية العرب وهو الذي لم ينعزل عن هموم العرب وقضاياهم حيث تمثل إعادة الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني أول أولوياته فكانت الرسالة إن السعودية دعمت القضية الفلسطينية في الحرب والسلم، والسعودية تنزع إلى السلم، ولذا فإن الكرة في الملعب الأمريكي وعلى واشنطن القيام بدورها في رعاية عملية السلام بان تكون راعيا محايدا وغير منحاز، والضغط على إسرائيل، وإلا فإن التطرف والعنف سيبقيان في المنطقة.
كان مثيرا للاستغراب تقاعس الإدارة الأميركية آنذاك وخذلانها للشعب السوري ورضوخها لشروط الدبلوماسية الروسية، بدليل إلغاء الضربة العسكرية وتسليم الملف السوري للروس ثم دخل أوباما في خطوة أكثر غرابة وذلك بتهافته على إيران واندفاعه غير المبرر، عاقدا صفقة معها لتقطف طهران ثمرتها بتخفيض العقوبات عليها.
على أن السعودية لا تريد اختزال موضوع إيران بمسألة الملف النووي فقط، لأن هناك امورا اخرى متصلة تتعلق بعلاقتها مع القاعدة وتدخلها في شؤون الدول الاخرى ودعم حركات وعناصر لزعزعة امن تلك الدول، كما ان الرياض تريد أن تطلعها واشنطن المتهافتة، على الضمانات التي قدمتها لها إيران بشأن هذا البرنامج؟ اما الملف السوري والذي اخذ مساحته في النقاش فتبين ان الرياض ضغطت على واشنطن باتجاه دعم المعارضة المعتدلة سياسيا وعسكريا لا سيما بعد فشل جنيف2، أي إعطائها أسلحة نوعية من اجل تغيير موازين القوى على الارض، ويبدو ان هناك تجاوبا اميركيا والحديث يبدو الآن حول التفاصيل. ولعل هذا يفسر توجه القيادة السعودية وحكمتها حيث انها لا تمانع في إعادة الحيوية لعلاقة بلادها مع واشنطن بشرط ان تكون في ضوء تفاهمات واضحة وصريحة.
نحن نعلم ان الرئيس أوباما سبق ان صرح في بداية رئاسته الى ضرورة الانتقال الى منطقة أخرى أكثر أهمية ونعني بذلك الصين ومنطقة المحيط الهادي، وانه لا يرغب في الدخول في حروب خلال ولايته بعبارة أخرى ان منطقتنا لم تعد لها الأولوية كما كانت. ورغم كل ذلك اتهم البعض السعودية بأنها مدللة وغير محقة في امتعاضها من واشنطن. وهذه قراءة خاطئة فالسعودية دولة ليست هامشية بل لها ثقلها السياسي والاقتصادي وعمقها العربي والإسلامي وتملك قرارها السيادي، وبالتالي من حقها ان تعلن صراحة عن مواقفها السياسية بما يخدم مصالحها ويحمي أمنها واستقرارها. ولعلنا نستحضر هنا رحلات ولي العهد الأمير سلمان للشرق الآسيوي التي كانت أيضا رسالة سياسية للغرب وبامتياز مؤكدة بان السعودية لا تضع كل البيض في سلة واحدة وتعمق شراكاتها الاستراتيجية مع ما يحقق مصالحها بغض النظر عن اتجاه البوصلة.
صفوة القول ترميم العلاقات ما بين البلدين امر مهم، إنما الأهم منه هو مراجعة واشنطن لأخطاء قراراتها في المنطقة والتي أربكت علاقاتها مع أصدقائها وحلفائها ولذا فهي معنية بإعادة صياغة سياساتها وترتيب اولوياتها بما يحقق امن واستقرار دول المنطقة ما يدفع باتجاه حدوث انفراجات سياسية وتخفيض مستويات التوتر والتأزيم وخلق أجواء تهدئة.

1
فيحان
2014-04-01 09:35:56مقال جميل شكرا لك شي طيب وبالتوفيق.