لم تكن تلك الليلة. تمضي على خير.! عبدالرحمن يلقبونه أهل الحارة ب"دحيم".!، فارع طوله كأن لم يسبقه أحد على هذا الطول، يستفيدون منه أبناء الحارة بقطف "العبري"، جارتهم هيا كلما نظرت إليه وهي متربعة على بساطها في الحارة قالت لصديقاتها :" يعنبو ذا الولد كنه يقرَّمَ الخيار قرَّم.؟!، كل شوي يطول".

هذه تحب دائماً أن تفرش بساطها المقلم تحت جدار بيتها بعد أن ترش الأرض بالماء تغرفه بيدها من الغضارة. تجهز القهوة والشاي وبقية الجارات كُل يأتي بشيء على حسب الاستطاعة، لا يكلون ولا يملون من أكل "الكراث" يملحونه ويعصرون عليه الليمون. لكنها في كُل يوم تستفز أم دحيم بولدها وت"عايره"بطويل المهابيل.

في تلك الليلة أم دحيم تفرش"مراقدهم" في سطح البيت الذي يفصل بينها وبين منزل هَيا جدار قصير، اذا "رقد – نام" الجميع، يحتاج دحيم للاستيقاظ والذهاب على الحمام، مشكلته انه يسمع جارتهم هَيا تصيح بأعلى صوتها:" وجع يوجعك يا دحيم، لكن هيَّن/ يام دحيم.. شوفي طويل المهابيل"دلَّى" يطل علينا"، تفزع أم دحيم وهي مستغرقةً في نومها، تغضب من صوت جارتها على ابنها دحيم، تعاتبه وتعض على "برطمها- شفاهها" وتتكلم بصوت غاضب منخفض :"وش أنت مسوي يا "الرافضي" نعنبوك ما تهجع لين ناموا المسلمين"، دحيم من الرهبة والخوف من استيقاض والده، يعدل سرواله تحت ثوبه ويحلف أنه كان ذاهباً إلى الحمام".

النوم في أسطح المنازل صيفاً يعطي البرودة إذا تم رش السطح بالماء، الجميع يستلذ به، رغم انهم معرضون لفرجة الجيران، بالطبع هذه لم تكن معضلة، إذ يعتبرون انفسهم ببيت واحد. وبرغم هذه المتعة والبرودة إلا ان القوارص والزواحف الصغيرة قد تفسد عليهم هذه الأجواء الحميمية.

هيا وأم دحيم تسمعان جارهم الآخر مبارك، يصيح في الليل "ملح وسكر" يعرفون أنه يخاطب"ضاطور" قريب منه، يقولون انه إذا قال مثل هذه الكلمة.. يهرب الضاطور.!.

هيَّا تقول خلف جدارها: "شفتي يا أم دحيم.. قبله مشغلنا في تالي ذا الليول.."ملح وسكر- ملح وسكر"؟، الا ورى مايبيع حمام ولده ويفكَّنا، تدرين أن الضواطير ما تتجي الا على بيض الحمام"

نساء الجيران في الليل يتناقشن مع بعض خلف الجدران لا يمنعهم أحد، يتحدثن في أمور الساعة عن حارتهم، دحيم يسرد لأمه قصة الضاطور ابو شعر، أمه تسمي عليه و"تضحك"، لها مقصد آخر لا يعرفه الا النساء، لكنه يعيد لها سالفة "طرمة – صندوق خشبي مخرم يضعونه في الدور الأول يستكشف منه الباب" جارهم مبارك، أن الضاطور يدخل منها عند صلاة المغرب، تقاطعه وهي تغطي نفسها ب"الشرشف":" أن ما رقدت ترى بهفك بذا الغضارة على دمجتك"، يعود دحيم ويحلف له بكسر "الهاء" أنهم ذات يوم، حاولوا قتل الضاطور ب"الزبيرية" الا أنه يختفي أمام اعينهم، لكن يعود فجأة في نفس مكانه.!، قالت: "الظاهر انه سكني". يسمع صوتهم أبو دحيم ويرفع رأسه:"حسبي الله عليك.. ورى ماتهجعين أنت وذا الخبل وتخلون المسلمين يرقدون"، دحيم: "يندعس" تحت خوفاً مطرحته البرتقالية".

في الصباح، ترسل أم دحيم ابنها لدكان ابو راشد يعطيه طلباته لانه قال:"أمي تسلم عليك وتقول عطنا الاغراض وقيدهم على الورقة"، يعطيه لكن يقول له:"قل لامك" طلعتي خراطة مشمش". كانت توهمه بانها ستزوجه احدى قريباتها.

سالفة الضاطور ابو شعر اصبح يتداولها الناس في الحارة، في كل مغرب يتجمعون حول بيت مبارك راعي الحمام يسمون باسم الله وينتظرون، الا أن مبارك عرف بالأمر وصار يصدر صوتً بعيد أجش خلف "الطرمة": "أن ماذلفتوا عن بيتنا ترى بدخل فيكم.! خافوا من الصوت وانطلقوا مسرعين لبيوتهم مرتبكين. بعدها مرض دحيم ب"الانفلونزا - الزكمة" والحمى، لكن الناس صارت تقول: "ترى اللي بالضاطور دخل فيه".. لم يبق شيخ الا وراحوا له يقرأ عليه ويعالجه بالزيت ويصب على راسه، متوهمين ان "السكني – الجن" دخل فيه.