من المعروف في أدبياتنا الثقافية التذمر من اللجان. فقد تكرس المفهوم السلبي للجان عبر مقولة قد يكون أول من أشاعها غازي القصيبي-رحمه الله- عندما كتب: إذا أردت لموضوع أن يموت فشكل له لجنة. ولا شك ان العمل يحتاج إلى أكثر من منهجية لاتخاذ القرار، منها ما يتوافق مع الحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار، ومنها ما يحتاج إلى التأني وتبادل الرأي بين أطراف عدة. فاتخاذ القرار يحتاج إلى فهم عميق للسياقات المحيطة به والافراط في اتباع منهجية دون أخرى يؤدي إلى خلل في العمل الإداري. لكن من الملفت عند الحديث عن مفهوم اللجان باعتبارها من أوجه القصور في أسلوب اتخاذ القرار، غياب مفهوم الشورى الذي يحمل قيمة إيجابية مقابل ما يحمله الاستبداد بالرأي من قيم ترتبط بها أكثر مشكلاتنا المعاصرة من عدم احترام الرأي الآخر واحتكار السلطة، إلخ. فاللجان من آليات العمل الديموقراطي الذي يقابلها في الطرف الآخر القرار الفردي. وبين طرفي النقيض يتضح التحدي.

نحن بحاجة إلى قرارت عاجلة لأننا في عصر متسارع لا وقت فيه للتردد، لكننا بحاجة إلى الوصول إلى قرارات سديدة في عالم معقد يعجز أن يحيط به الفرد. مع الحاجة إلى الأخذ بسبل العزم والظفر، علينا أن نعزز قيم الحكم الرشيد الذي يقوم على المشاركة في السلطة وحرية التعبير. لكن يتبين لنا ان الأمر كما قيل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم. فإن المقولة الشائعة في ذم اللجان من باب الافراط في توظيفها يقابلها ذم مستحق للاستبداد بالرأي. فالعربي الذي يحرض على الاستبداد بالرأي حين يقول: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة/ فإن فساد الرأي أن تترددا، هو نفسه الذي يقول على لسان آخر: قد يدرك المتأني بعض حاجته/ وقد يكون مع المستعجل الزلل-رغم ما للبيت الأول من متانة شعرية ليست للآخر.

لكنْ للجان دور آخر قلما نتطرق إليه. فالحاجة الملحة إلى وجود اللجان تنبع من وجود مشكلات لا تنتمي إلى تخصص واحد أو جهة تنفيذية منفردة بحيث يصعب معها التفرد بالرأي. فإن من المشكلات الإدارية الكبرى في العمل المؤسسي توزيع المسؤوليات بين الأفراد والأقسام حسب التخصص. فما ان يوزع العمل طبقا لهيكلة المؤسسة بأي طريقة كانت تتكون صوامع حصينة تعمل فيها مجموعات بمعزل عن الأخرى، فتتكون مفاوز وهوات وتصدعات في العمل المؤسسي تمر من خلالها كثير من الأخطاء. لذلك تحتاج كل مؤسسة إلى مجموعة من اللجان لتجسير الهوَّات الهيكلية. فلا يمكن لقسم التسويق، مثلا، التعريف بمنتجات المؤسسة دون التنسيق مع قسم الانتاج لمعرفة مواصفات المنتج، ولا يمكن لقسم المالية تسعير المنتج دون معرفة كلفته من قسم الانتاج، إضافة إلى معرفة القيمة السوقية للمنتج من قسم التسويق.

إن التحدي في اتخاذ القرار يأتي من الحاجة إلى العمل الجمعي بصيغة الفرد. أي أن على المجتمع بمؤسساته أن يعمل بهيئته الجزئية مجتمعة لتبدو كما لو أنها تعمل عملا فرديا. فاتخاذ القرار عملية معقدة تتضمنها مئات الخطوات المتشعبة التي تتعلق بأطرف عديدة-في أحيان كثيرة-لا يمثلها أحد. فإن كانت اللجان كما يقال مهنة من لا مهنة له، إلا إنها وسيلة مهمة لتوسيع قاعدة اتخاذ القرار في المؤسسة والمجتمع.