هل تتذكرون سباعي عثمان؟!

نعم هل تتذكرون الأديب والقاص والصحفي الأستاذ سباعي عثمان – رحمه الله – (1356 – 1408ه) ذلك الصوت الذي ظل يغرد في سماء القصة العربية عقوداً طويلة، ذلك الفتى الأسمر الذي جدد في تقنيات القصة القصيرة في بلادنا ونحا بها نحو أفق السرد القصصي التأثيري وهو مدرك لأهمية الاحتراف ما جعله يؤثر في الجيل الذي تلاه ومرد ذلك خبرته في التعامل مع أنماط سردية وتراثية عالية انعكست على أغلب أعماله، كما تجد في نصوص عثمان عشقه الحميم لالتقاط صور الحارة القديمة وأبطالها فهو حين يقدم للقارئ ملامح اجتماعية عن البيوتات العتيقة والمراكيز والمقاهي والأسواق القديمة في جدة ويدعم هذه الصور باللهجة الحجازية التي تنبثق بين المتحاورين في النص القصصي.

أخذ الأديب والقاص سباعي عثمان على عاتقه دعم الأقلام القصصية الشابة وذلك بنشر نصوصهم عبر ملاحق ثقافية خصها للقصة مثل "سوق عكاظ" و"دنيا الأدب" فتزاحم على هذه الصفحات جيل من القصاصين فكان يمحضهم النصح ويقيّم أعمالهم وينشرها في الصحف التي عمل بها (المدينة - عكاظ)، فكان تأثيره بارزاً على بعض كتاب القصة حتى رحيله رحمه الله.

القدس: سعادتي كبيرة حين شاركت سباعي في آخر أمسية بأدبي الطائف

وكاتبنا سباعي عثمان من مواليد السودان.. درس في جامعة القاهرة فرع الخرطوم ثم انتقل إلى المملكة وعمل في رابطة العالم الإسلامي، كما عمل مدرساً في المعهد التجاري بالمدينة المنورة، ثم حط رحاله في عالم الصحافة فعمل في صحيفة عكاظ وصحيفة الندوة وصحيفة المدينة، وفي الأخيرة حرر ملحقها الأدبي المعروف ب"دنيا الأدب" ثمانية عشر عاماً بعدها عاد إلى عكاظ ليعمل مديراً لتحريرها، كما عمل أيضاً في شركة تهامة مديراً للنشر.

كتب سباعي القصة بتميز وإبداع ومارس كتابة المقالة الصحفية وكان عضواً في نادي جدة الأدبي ونادي القصة السعودي وجمعية الثقافة والفنون، أصدر سباعي ثلاثة أعمال قصصية هي: "الصمت والجدران" عن نادي الطائف الأدبي عام (1399ه) وطبعت غير مرة كما صدرت له "دوائر في دفتر الزمن" عن نادي القصة السعودي عام (1404ه)، وله كتاب بالاشتراك هو "ألوان ثقافية" وبعد رحيله جمع الناقد الدكتور سعيد السريحي قصصه المنشورة في الصحف وقدم لها وخرجت بعنوان "المجموعة القصصية الأخيرة" عن مؤسسة عكاظ للنشر عام (1411ه).

باقازي: خدم سباعي المبدعين وله أثره وبصمته على الإبداع القصصي

واليوم تعيد "الرياض" ذكرى الأديب والقاص سباعي عثمان إلى القراء وكتاب القصة وعشاقها بعد أن مضى على رحيله أكثر من ربع قرن وذلك مع كوكبة من أبرز كتابه القصة القصيرة في بلادنا.

في مطلع هذه الذكرى عن الراحل سباعي عثمان يبرز القاص محمد علي قدس بعض المواقف الرائدة والدور الكبير الذي قدمه لساحة القصة:

في تجربتي مع القصة قراءة وإبداعا،أعتز كما يعتز الكثير من جيلي والجيل الذي قبلنا، بأننا خرجنا من تحت عباءة الأستاذ رائد القصة صاحب خالتي كدرجان، لكن حظي أوفر فقد وجدت نفسي بين المبدعين (السباعيين) العلم الرائد الأستاذ أحمد السباعي، والصديق الوفي صاحب التجربة المتميزة في القصة المبدع سباعي عثمان، وهذا السباعي الصغير أشرف على صفحة أدبية مشهورة في جريدة المدينة، كانت لنا ميدانا للتنافس في كتابة القصة، بل مدرسة تخرج منها العديد من كتاب القصة، الجيل الذي جاء في المرحلة الثالثة في تاريخ القصة السعودية، كنت من هذا الجيل، وقد نشرنا محاولات إبداعنا القصصي في(المدينة الأدبية)، وأذكر منهم زملائي القاصين حسين علي حسين، عبدالله باقازي، محمد علي الشيخ، ابتسام حلواني، محمد الشقحاء وفاطمة حناوي.

الخليوي: «دنيا الأدب» كانت بمثابة مجلة أدبية أبرزت عدداًً من القصصيين

نشرت أنا في صفحته نصوص مجموعتي القصصية الأولى (نقطة الضعف)، ومنها (يارب سهالة)، (مقهى آخر الليل) و(خالتي رقية). وتوطدت علاقتي بسباعي عثمان، ورافقته في مشوار عمله بين جريدتي المدينة وعكاظ مرورا بعمله في إدارة النشر في مؤسسة تهامة التي تولت نشر مجموعتي الثانية(مواسم الشمس المقبلة). كانت الثقة بيننا متبادلة، تعلمت منه الشيء الكثير وأعجب بالكثير ممن كتبت، ويستأنس برأيي فيما يكتب. أذكر أنه رحمه الله سألني كيف أصبحت من كتاب مجلة القافلة وقد نشرت فيها أكثر من أربع قصص في التسعينيات الهجرية، وطلب مني أن أتولى مهمة إرسال قصته (قراءة في وجه المدينة) سلمها مسودة بخط يده عليها هوامش وتصحيحات. ولما كان لابد من طبعها أو نسخها بخط واضح، فعاجلت بنسخها بخط يدي وأرسلتها للأستاذ عبدالله الغامدي رئيس تحرير القافلة في ذلك الوقت، ولم يصدق أنها نشرت في المجلة حتى وصله العدد. وحين حصلت على عضوية نادي القصة في القاهرة بتزكية الأديب الكبيرة ثروت أباظة، وكنت أول قاص سعودي ينضم للنادي، طلب مني انضمامه لنادي القصة القاهري فكتبت للأستاذ ثروت أباظة وزودته بكل المعلومات عن الأستاذ سباعي، فحصل على العضوية على الفور.

زيلع: سجل سباعي منعطفاً تجديدياً في سياق السرد العربي السعودي

كانت سعادتي أكبر حين شاركته في آخر أمسية قصصية شارك فيها، التي أقامها نادي الطائف قبل عام من وفاته، ولا شك أن تلك الأمسية التي يتذكرها معي بكل الحب والوفاء صديقنا الأستاذ محمد الشقحاء سكرتير نادي الطائف، وقتها، والأستاذ قينان الغامدي وكان يعمل مديراً لمكتب جريدة عكاظ بالطائف، فكتب في تغطيته لتلك الأمسية في عكاظ، وقراءته للنصوص قرأها سباعي وقرأتها، برؤية فنية أذهلتني وأذهلت الأستاذ سباعي عثمان رحمه الله.

أما القاص محمد المنصور الشقحاء فيذكر أن سباعي لم يسرقه الإعلام عن معشوقته القصة ودعمه لجيل كبير من المبدعين ويقول أيضاً: الأديب القاص سباعي عثمان خدم الأدب، من خلال عمله الصحفي الذي تمرس فيه كمصحح ثم محرر ورئيس للقسم الأدبي.

بداية علاقتي معه كاتب ناشئ يبحث عن مكان لنشر نفثاته، فوجدت العناية من خلال ملحق (دنيا الأدب) بجريدة المدينة، مع ثلة ممن هم اليوم ملء السمع والبصر.

وجاء التواصل الثاني مع توليه مراجعة طباعة ديواني (معاناة) الصادر عن نادي الطائف الأدبي، الذي جرى طبعه في مطابع الأصفهاني وشركاه بجدة، مع الملف الأول لنادي الطائف الأدبي وكتاب لهشام ناظر.

الشقحاء: سباعي قاص سبق زمنه وهو ينحت نصوصه بعناية تامة

وتواصلنا بتبني نادي الطائف الأدبي طبع مجموعته القصصية الأولى (الصمت والجدران) تقديراً لموهبته.

وساهم في نشاط النادي المنبري عبر منبر نادي الطائف الأدبي، والأستاذ سباعي عثمان رحمه الله شخصية أدبية متفردة كنموذج، إذ لم يتأثر المحرر الصحفي بوهج الإعلام فينسى الأديب المبدع الكامن في أعماقه، فكان ينحت نصوصه بهدوء وبعناية تامة يختار شخصياته.

سباعي عثمان من خلال غزارة ثقافته منفتح على كل التيارات، لأنه غير منعزل عن إيقاع الحياة اليومي، ومحاور بموضوعية كصحفي قدم لنا من خلال دنيا الأدب ملفًا أدبيًا رائدًا، قلدته باقي الصحف.. سباعي عثمان قاص سبق زمنه. تغمده الله بواسع رحمته.

في حين يوضح القاص عبدالله باقازي أن أبرز ما يتمتع به سباعي من صفات هي الأثرة لذلك قدم من خلال عمله الصحفي العديد من الأصوات القصصية:

عرفت الأستاذ: سباعي عثمان - رحمه الله - عام 1384ه وكنت في بداية المرحلة الاعدادية (المتوسطة) حيث راسلته بمقالات نشرها تباعاً، و كان قد تولى لتوه الإشراف على ملحق "دنيا الأدب" بجريدة المدينة الغراء - المدرسة الإبداعية والأدبية - التي تخرج منها العديد من القصاصين - وأنا واحد منهم - مع زملاء شعراء وأساتذة لنا في هذا المجال في مقدمتهم أستاذنا الأستاذ الصديق الأستاذ: سعد الحمدين أحد رواد قصيدة التفعيلة في أدبنا السعودي.

وكان الأستاذ الرائد: محمد صلاح الدين قد تولى الإشراف على ملحق "دنيا الأدب" في بداية 1384ه لكنه تخلى عنه للأستاذ سباعي عثمان الذي انتقل إلى الجريدة في العام نفسه وكان قبل ذلك وفي عامي 1382ه - 1383ه يعمل بجريدة الندوة وأشرف على صفحة: الأدب والفن فيها، واستمر تعاوني الكتابي في كتابة القصص والمقالة، وأذكر أن كتاب القصة وأياي كنا نكتب القصص وسباعي يراقب المشهد ولم يكتب القصة القصيرة إلا في عام 1394ه، حيث كتب أول قصة قصيرة بعنوان: "سامبو" بخط يده كان مما يتميز به الأستاذ: السباعي الأثرة - وهذا اسمه الحقيقي: "السباعي عثمان" - فهو يقدم الآخرين على نفسه، ويعتمد مبدأ: "الجيد يفرض نفسه" وقد زرته عام 1390 ه في مطابع الأصفهاني، كما زرته بعد ذلك في عمارة "البيجو" وفي "تهامة للنشر والتوزيع" حين أصبح مسؤول النشر فيها منذ عام 1401 ه، وكان خلوقاً وودوداً خادماً للإبداع والمبدعين، وله أثره وبصمته على الإبداع وخاصة القصصي منه رحمه الله رحمة واسعة.

ويؤكد القاص فهد الخليوي مدى تقبل سباعي عثمان للنقاش والنقد دون أن يلغي الآخر لذلك استمرت علاقته معه حتى رحيله وذكر أيضاً:

رحم الله النقي صديقي وأستاذي الأديب والصحفي "سباعي عثمان" تعرفت عليه بداية السبعينيات الميلادية، كنت أزوره كثيراً بمقر جريدة "المدينة" بجدة، وكان جيبي لا يخلو في كل زيارة له من قصة قصيرة يتلقفها مني بابتهاج وينشرها بصدر رحب وإخراج أنيق في صفحته الرائدة"دنيا الأدب" كانت تلك الصفحة بمثابة مجلة أدبية وجامعة تخرج منها الكثير من كتاب القصة القصيرة الحديثة في المملكة، لعلي أذكر منهم حسين علي حسين، وعبدالله السالمي، وسليمان سندي، وعبدالله باقازي، وأنور عبدالمجيد، وعبدالله باخشوين، وكاتب هذه السطور.

كما أذكر أن الراحل كتب تعليقا على إحدى قصصي المنشورة في صفحته واصفا تلك القصة بالغموض والالتباس، وعقبت على تعليقه بقسوة اتسمت بالانفعال، ومع ذلك نشر تعقيبي بكل حذافيره، وتوالت الردود بيني وبينه بما يشبه المعركة حول إشكالية الغموض واللا غموض في النص الإبداعي.

عندما أصدرت متأخراً مجموعتي الأولى "رياح وأجراس"استبعدت أكثر من عشرين قصة كانت تمثل بداية ولعي واندفاعي ل"التجريب" ومن ضمنها القصة التي وصفها المرحوم سباعي بالغموض والالتباس، لقد استفدت أيما استفادة من رأيه، وهو الذي سبقني بتجربته الإبداعية التي تمخضت عن إصدار ثلاث مجموعات قصصية في غاية الإدهاش والنضج الفني.

لم تنقطع اتصالاتي مع الأستاذ سباعي، كنت أتواصل معه عبر الهاتف وهو في آخر محطاته الصحفية بجريدة "عكاظ" لأشكره على رسائله الأدبية الرقيقة التي تعود على نشرها بين فترة وأخرى لثلة من أصدقائه الأدباء وكنت من بينهم.

رحم الله أباسلمى وأسكنه فسيح جناته.

أما القاص الأستاذ عمر طاهر زيلع فيرى أن الراحل سباعي عثمان – رحمه الله – لا ينحصر أثره الإبداعي والثقافي عموماً في كونه واحدا من جيل السبعينات والثمانينات.. الذين سجلوا منعطفاً تجديدياً في سياق السرد العربي السعودي على مستوى القصة القصيرة ومنهم على سبيل المثال: جار الله الحميد وفهد الخليوي وعبدالله باخشوين ومحمد علوان وحسين علي حسين وآخرون أسهموا أيضاً في الفعل التجديدي ولكنهم كانوا بعيدين عن الأضواء واهتمامات النقاد ومنهم: أحمد يوسف، نجوى هاشم وسهلي عمر وعمر طاهر زيلع مثلاً، بل كان – رحمه الله – إلى جانب ذلك: حاضراً في الساحة الثقافية والنقدية من خلال كتاباته الثقافية والنقدية وإشرافه على الملاحق الثقافية لاسيما في صحيفة عكاظ، فقد تبنى أصواتاً مازالت في بداياتها بإتاحة الفرص لها وتوجيهها برفق.. إضافة إلى المؤثرين في مرحلته ومن الانصاف لروحه أن تقوم المؤسسات الصحفية والثقافية بإحياء ذكراه بتنظيم فعاليات ودراسات نقدية وإعادة طبع كتبه –رحمه الله -.


محمد علي قدس

عبدالله باقازي

فهد الخليوي

عمر طاهر زيلع

محمد الشقحاء


قصاصات من مقالات سباعي وصفحته الأدبية

قصة بخط يد سباعي عثمان