«المواطنة انتساب جغرافي والهوية انتساب ثقافي.. المواطنة انتساب إلى أرض معينة والهوية انتساب إلى معتقدات وقيم ومعايير معينة».

هذه العبارات من مقالة قيمة للأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس منشورة في مجلة البيان في عددها 211 في شهر ربيع الأول 1426ه..

وهي مقالة تجيب عن أسئلة عديدة تدور في ذهن كل قارئ قد تكون لديه بعض الضبابية في التفرقة بين المفهومين.. خصوصاً لدينا هنا وقد اختلطت الأوراق في الكتابة والتحليل عن موضوع الهوية والمواطنة..

وتداخلت الأصوات التي قد تحجّم مفهوم الهوية وتعلي مفهوم المواطنة.. أو التي تنفي المواطنة عن من لا يرغب الوقوف عند سماع النشيد الوطني مثلاً!! وهذا خطأ وليس ذلك مؤشر على انسلاخ الهوية..

٭٭ فما يقوله د. جعفر الشيخ إدريس في هذا الجانب هو أن الهوية لازمة للمواطنة لأن المواطنين لا بد لهم من نظام سياسي وعلاقات اقتصادية واجتماعية وقوانين تضبط هذه العلاقات ولكن هذا إنما ينبني على معتقدات وقيم ومعايير أي على هوية معينة.

من هذا فإن الوطن الذي ينتسب إليه المواطنون ليس هو الذي يحدد هويتهم فالوطن الواحد تتعاقب عليه نظم مختلفة بل ومتناقضة فالروس كانوا مواطنين روساً حين كانوا ينتمون إلى الاتحاد السوفياتي وحين كان نظامهم الاقتصادي اشتراكياً وكان نظام حكمهم دكتاتورياً وهم الآن مواطنون روس بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وبعد حلول الرأسمالية محل الاشتراكية والديموقراطية محل الدكتاتورية.

فالهوية هي النظارة التي يرى من خلالها المواطنون ما هو مناسب أو غير مناسب، صالح أو غير صالح لوطنهم فإذا اختلفت النظارات اختلف تقويم الناظرين إلى ما ينظرون إليه وان اتفقوا على الحقائق الحسية.. وإذا صح هذا فإن المواطنين مهما كان إخلاصهم لوطنهم وحرصهم على مصلحته لا يمكن أن ينظروا إلى تلك المصلحة باعتبارهم مواطنين فقط بل لا بد أن ينظروا إليها بحسب هوياتهم، لكن البعض يتوهم انه بإمكان المواطنين أن يحلوا مشكلاتهم بمجرد انتمائهم الوطني فقط دون اعتبار للانتماء الديني والايديولوجي.

ثم يوضح أن هناك مشكلات يمكن حلها باعتبارها مشكلة بشرية تهم البشر جميعاً مثل مرض (الإيدز) مثلاً.. فالجميع يعرف أنه خطر على حياتهم وحياة أولادهم.. ولكن سيختلفون في وسائل العلاج المواكبة للعلاج الطبي فالمسلمون يرفضون أي ممارسة جنسية كانت قبل الزواج والمتدينون كذلك سواء كانوا من اليهود أو النصارى ولكن غير المتدينين قد يرون في مثل هذه الاقتراحات حداً من الحرية ويرون الاكتفاء بالعلاج الطبي لا السلوكي.

ويطرح قضية أخرى توضح الفرق بين الهوية والمواطنة.. فيقول: هناك قضية أخرى تواجه كل البشر وهي كيف تكون العلاقة الجنسية بينهم، هل تكون إباحية يقضي كل فرد منهم حاجته مع من شاء وكيف شاء؟!

هل يتزوجون؟ وهل يكون الزواج بواحدة أو أكثر؟ وهل هناك حد لهذا الأكثر؟ هذه جميعها قضايا لا يحلها الناس بمجرد انتمائهم الوطني لأنه ليس في هذا الانتماء ما يهديهم إلى خيار أو يفرضه عليهم.

وهنا لا بد للمواطنين من (هوية) ، من ثقافة تكون هي المنظار الذي ينظرون به إلى الواقع (والمعيار) الذي يقترحون به الحلول.

وفي حالة تعدد هويات المواطنين وثقافاتهم فإن أمر سيادة الثقافة أو الهوية التي ينتمي إليها الأغلبية سيكون بالطبع على حساب حريات أخرى ولكن هذه الأدلجة المفروضة بالقوة قد تكون مساعدة على تطور البلاد اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً كما كانت في الاتحاد السوفياتي وكما هي الآن في الصين وكوريا الشمالية.

ولكن في حالة أن الهويات والثقافات المتعددة متساوية فأمام مواطنيها خيارات منها أن يحلوا نزاعهم بتقسيم وطنهم كما حدث للهند حين خرجت منها باكستان ومن ثم خرجت بنغلاديش من باكستان وكما خرجت أريتريا من اثيوبيا وكما انقسمت تشيكوسلوفاكيا..

وإما أن يبحثوا عن صيغة يتعايشون بها رغم اختلافاتهم كأن يختارون نظاماً علمانياً محايداً بينهم وديموقراطياً يعطي كل واحد من هذه الهويات حق الوصول إلى السلطة إذا ما اختارته الأغلبية..

ولكن هل سينجح هذا الاختيار دائماً؟! (يتبع)