مثلما ان هنالك وعظاً باتجاه النجومية أصبح هو سيد الساحة، يبقى الوعظ باتجاه القلوب قائماً طالماً وجد من يُخرجه بوعي وبعلم من تقليديته.

الشيخ صالح بن عواد المغامسي، واحد من أبرز الدعاة الشباب الذين استطاعوا أن يأخذوا خطاب الدعوة بالقيمة والموضوعية إلى مساق عصري ومؤثر من خلال تبنيه الدعوة بصيغة إحياء النموذج، الذي يستند على إيقاظ القدوة والمثال والإدراك الذاتي، باستخدام فطنة المتلقي، بعيداً عن الشحن أو التأجيج، أو ما يسميه المفكر الوردي بالوعظ الاعتدائي. استطاع هذا الشاب أن يُنجز بعمق موضوعيته في مجال الدعوة ما لم ينجزه غيره ممن دانت لهم النجومية، خاصة أولئك الذين يطرحون آراءهم بجرأة صاخبة كما لو أنها القول الفصل في هذه المسألة أو تلك.

المغامسي، غالبا ما يتحدث جالساً، وبلغة هادئة تخلو تماماً من أي استعراض لغوي أو حركي، حتى أن إيماءاته وانفعالاته لا تكاد تظهر إلا في لحظة خشوع أو ومضة اعتبار، حيث تنسكب على هيئة دمعة

خاشعة، لتقول ما لا تستطيع أن تقوله الكلمات أحياناً، ورغم أنه يأتي مدججاً بالكثير من التحصينات الضخمة التي تدعم تأويله، على مستوى اللغة والأدب، وعلى مستوى السند، وعلى مستوى الاستشهاد، إلا أنه لا يخرج عن ذلك السمت الوقور الذي يغلف كل أحاديثه ليدّعي أمام من يجلس أدنى من ارتفاع كرسيه أنه الأستاذ، والمعلم، والعالم، والفقيه، بل أظن أنه لو وجد حيلة لأن يتساوى في مجلسه مع مجالسيه على أن يبقى في مرمى أبصارهم لفعل.

قد يبدو هذا الكلام إطراء أو مديحاً للشيخ المغامسي، وإن لم أكن أريد ذلك، ولا أعتقد أن من مثله ينتظر هذا، لكنني أردتُ أن أستدعي هذه المقاربة مع بعض "نجوم المجال" ممن هو على أتم الاستعداد لإلهاب حماس مستمعيه ولو بالمجازفة أحياناً برأي صادم، لا بأس أن يعتذر عنه لاحقاً، إن وجد من يعترض عليه أو يلومه فيه، طالما أن هذا الحماس، سيصب في وعاء (الفلورز).

خطاب الشيخ المغامسي هو نموذج متطور ومستنير للخطاب السلفي التقليدي، الذي يستلهم فقه الواقع، ويتعامل معه بإعادته إلى النموذج والمثال والسند، دون أن يقع تحت طائلة ونشوة سلطة التابعين في وهم المرجعية الأخيرة كما لو أن الداعية يتجاوز درجة الواعظ ليلمّ في ثنايا مشلحه صفة المفسر والمحدث والفقيه والمفتي والمفكر، وهي ما لم يجمعها كبار الأئمة عبر التاريخ، وهذا ما وقع فيه البعض، وحوّلوه إلى مسوغات نجومية، وهذا النوع من الخطاب أقصد خطاب الشيخ المغامسي بالتأكيد هو الذي يؤسس فيما أعتقد لثقافة دينية واعية وقادرة على الاستيعاب والفهم والفرز ومن ثم التعاطي على ضوئه بوعي ذاتي، بخلاف الخطاب الآخر الذي ينتهج الرأي والفهم الشخصي وإن اختلط بالسياسي أحياناً، وربما ليّ أعناق بعض الحقائق إما لتأثيمها أو لغرض إسقاط بعض النصوص عليها، والذي أثبتت الوقائع أنه لا يبني إلا طبقة رقيقة من الحماس والاندفاع تغطي خواء عريضاً من الفراغ، لكنها ما تلبث أن تتلاشى وتختفي مع أول اختبار كنقطة حبر تراق في دلو من الماء.