تبدو خارطة النقد العربي الحديث غامضة، يصعب تلمس تضاريسها، وبسبب ذلك جرى نوع من التواطؤ على قبول كثير مما ينسب إليها من ممارسات كتابية تتصل بالنقد، ولكنها عالة عليه، ويعود ذلك، في تقديري، إلى غياب المراجعة الدورية الهادفة إلى تعديل بعض المسلمات التي جرى النظر إليها باعتبارها من الثوابت النقدية التي لايجوز مراجعتها، في وقت ينبغي الاقرار فيه بعدم وجود مقدسات في عالم النقد الأدبي، فهو، شأنه في ذلك شأن العلوم الانسانية، قائم بتحولاته على مستوى المناهج والمفاهيم، وليس بثباته على صيغة أو منهج، وأرغب في ابداء ملاحظات عامة حول واقع النقد المعني بالسرديات، ولا اظن بان الممارسات النقدية الأخرى تختلف كثيرا عما له صلة بالدراسات السردية.

لقد حقق النقد المعاصر المتخصص بالظاهرة السردية انجازات طيبة، فبدل اللجوء الى تلخيص الأعمال الروائية، ونثر الانطباعات العاطفية والنفسية حولها، انصرف إلى وصف الأبنية السردية والدلالية والأسلوبية، بل إنه ذهب إلى أكثر من ذلك حينما سعى إلى كشف كيفيات التمثيل السردي التي قامت بها الرواية العربية الحديثة، وبذلك انتقل النقد من كونه تعليقات خارجية يتركها النقاد حول النصوص الروائية إلى ممارسة تحليلية واستنطاقية تحايث النصوص، وتقوم بتأويلها، استنادا إلى رؤى نقدية واضحة، ومناهج فيها من الكفاءة بمقدار ما فيها من المرونة في وصف السمات الفنية لتلك النصوص، وكل هذا لم يكن متحققا قبل عقدين أو ثلاثة، فقد كانت الكتابة النقدية تئن تحت وطأة الانطباعات والشروحات، في نوع لا يخفى من المديونية للنقد العربي القديم، المولع بشرح النصوص الأدبية والدينية وتفسيرها، وكل ذلك أصبح الآن من تركة الماضي، أو أنه بدأ ينحسر بصورة واضحة للعيان، وينبغي التخلص منه.

ومع كل ذلك، فالنقد العربي عموما، والسردي منه بشكل خاص، يشوبه قصور لايغيب عن المعنيين بالدراسات المنهجية والاصطلاحية، ومن ذلك: خضوع كثيره لمنهجيات مستعارة من سياقات ثقافية أخرى، وامتثاله لجملة من المقولات السردية التي انتجتها الدراسات الغربية، التي نظر إليها بعين التقديس، وليس ببصيرة المثاقفة، وشيوع التصنيفات الضيقة التي أطفأت الوهج السردي في العالم الافتراضي للنصوص الروائية، والاستعانة بلغة مدرسية شبه عقيمة تعجر عن اداء وظائف النقد، فضلا عن حشر المقتبسات حشرا، وكأن الكتابة النقدية هي ربط آراء، وليس انتاج أفكار، ويحتاج ذلك إلى مراجعة لتعديل كثير من الأخطاء الثقافية والمنهجية، وهو لن يتحقق إلا استنادا لرؤية جديدة للأدب ووظيفته، والأخذ بمنهج معبر عن تلك الرؤية، والحال هذه، فلسنا، بحاجة إلى نظرية جاهزة في تحليل الآثار السردية في عالم متداخل الثقافات أجهز على المرويات المغلقة للتاريخ والعقائد والأيدلوجيات، إنما بحاجة إلى تعميق الحس الثقافي والجمالي للناقد في مقاربته للأدب. إن المدرسية الضيقة للممارسة النقدية، والتنقيب في ثنايا النصوص على الاشارات التي توافق المقولات الجاهزة، والوصف العقيم للآثار الأدبية بدل استنطاقها وتأويلها، وربطها بمرجعياتها الكبرى، هي ظواهر مزعجة في النقد العربي، وبخاصة الأكاديمي منه، وقد آن الأوان لتجاوز كل ذلك.

بدون الوصف والتشريح والاستنطاق والتأويل يتعذّر وجود نقد جدير بالتقدير، فلا يجوز تبسيط مهمة النقد بتجاهل كل ذلك. وأخيرا، فمن الضروري، أن يوظّف النقد كشوفات العلوم الإنسانية، ويستفيد منها، وألا ينغلق على قواعد ضيقة تقضي على وظيفة الأدب التنويرية، فللأدب وظائف كثيرة في مجتمعات تمور فيها كثير من المشاكل العامة أو الخاصة.