في مقال سابق تطرقت إلى ما وصفته بوهم التخصص. وليس المقصود بالوهم نفي قيمة التخصص بالضرورة لكن المقصود هو الوهم المرتبط بالإيمان بالتخصص كحل لمشكلات لا يمكن تصنيفها ضمن تخصص واحد. فإن أكثر المشكلات صعوبة هي التي لا تعترف بالتخصص. فمشكلة ضعف التعليم ومشكلة الفقر ومشكلات الرعاية الصحية، يتطلب حلها أكثر من تخصص. لذلك تكون الحلول التي تقارب هذه المشكلات ذات طابع كلي لا جزئي. لكن الواقع يشير إلى إن نمط حل المشكلات المتبع حاليا لا يتبع الحلول الكلية، إنما الحلول الجزئية.

من أسباب اتباع الحلول الجزئية وجود عزلة هيكلية للمؤسسات التي يراد منها حل المشكلات. ففي قطاع التعليم مثلاً، يدرب المعلم في تخصص تربوي ضمن كلية متخصصة وحين يتخرج ينتقل إلى سلك التعليم فيتعمق وعيه بالمشكلات التربوية ضمن ثقافة مؤسسات التعليم. هذه البنية المؤسسية تعمق تجربة المعلم في مجال التخصص لكن هذا العمق يكون على حساب اتساع الرؤية عادة. ومع الوقت تتكون عزلة بنيوية لمؤسسات التعليم عن بقية القطاعات الأخرى. لكن هل التعليم معزول عن مؤثرات الصحة والاقتصاد التي تتولاها قطاعات أخرى أصلا؟ فالعملية التعليمية لا تكتمل دون توفير بيئة مناسبة لنجاحها. بناء المدارس ليس من ضمن التدريب الذي يتلقاه المعلم أو غيره من منسوبي قطاع التعليم، لكنه موكل بتخصص بعيد عن المجال التربوي رغم ما له من تأثير كبير فيه. مشكلة الفقر مثلاً، ليست منوطة بتخصص دون آخر، كعلم الاجتماع. فالفقر ذو أبواب متعددة يمكن الولوج من أي منها إليه. فالتعليم الضعيف الذي لا يسمح لمتلقيه أن ينافس في سوق العمل يؤدي إلى البطالة التي تفتح بابا للفقر. ضعف الرعاية الصحية يؤدي إلى عجز عن ممارسة المهنة وربما فقدان الوظيفة، فاتحة باباً آخر للفقر.

يتبين لنا إن مثل هذه المشكلات لا يمكن حلها بالطرق التقليدية التي تعتمد على ما يسمى بالتخصص. فلحل هذه المشكلات يجب علينا أن نغير طريقتنا في التفكير. فالفكر الذي يلقي بحل المشكلات على المتخصص يعتمد أو المنهج الديكارتي أو المنهج التحليلي. والمنهج التحليلي، يساعد في التعرف إلى عناصر الأشياء لكنه لا يساعد على فهمها. فهو مكون من ثلاث خطوات أساسية: تفكيك الأشياء إلى عناصر أولية، فهم العناصر الأولية بمعزل عن الأخرى، تجميع المفهوم المستل من العناصر لفهم الكل. في هذا المنهج يتبين أن عزل الأشياء عن بعضها عنصر مهم لاتباع المنهج التحليلي. لكن هذا المنهج يعاني من أكثر من مشكلة، من أهمها أن عملية التفكيك التي يقوم عليها المنهج التحليلي لا تتوقف، فكل عنصر يمكن تفكيكه إلى عناصر أخرى والعناصر الأخرى إلى عناصر أصغر إلى ما لا نهاية. ثم إن هذا المنهج يفترض أن فهم الأشياء مجتمعة لا يضيف شيئا إلى فهمها وهي منفصلة.

مع المشكلات التي واجهت المنهج التحليلي ظهر منذ أكثر من خمسة عقود منهج آخر يدعى المنهج التركيبي. هذا المنهج الجديد يعلي من قيمة الكل فوق الجزء. فهو يقدم رؤية جديدة لفهم الأشياء من خلال ثلاث خطوات أساسية: التعرف إلى عناصر النظام المكونة له، فهم العلاقات بين العناصر، فهم دور العناصر من خلال العلاقات في عمل النظام المحيطة بها جميعا. هذا المنهج الجديد يؤدي إلى نتيجة مفادها أن التخصص لا يفيد في فهم محيط الأشياء بكل تموجاته وأطيافه المتعددة، بل قد يقف حاجزاً لفهمه. فالمنهج التحليلي يؤدي إلى معرفة صفات العناصر الجزئية وكيف تعمل، أما المنهج التركيبي فيؤدي إلى فهم المنظومة مجتمعة، ومعرفة الأسباب الجذرية التي تحرك الأشياء بالطريقة التي تتحرك بها.

الأمر كما يقول أينشتاين: المشكلات المعقدة التي نواجهها لا يمكن حلها بالفكر نفسه الذي كونها.