لم يشبع من الأحلام.. يفتش عنها في كل مكان. هناك. حيث كان يكتب مقالاته، مواضيعه الصحفية.. ثم يدس قلبه بين الحبر ليكتب شيئا آخر عن الصحافة.. في صباحات تلك الشهية «الصحافة» بقي لسنوات طويلة لا يصدق بأنه أصبح «صحفياً» وبأن تلك المجنونة تأخذها إلى أمكنة في الحياة مجهولة، منها يركض ليبحث عن «حلم» جديد.. حلم واحد يتدافع بروحه ليصل إليه مصحوبا بالسماء، محفوفا بالحب المستحيل.. وبقي هكذا طوال حياته.. يحلم ولا يكف عن ذلك حتى بعد طول هذه التجربة.. من الألم وجوع المدن والقسوة والحب الذي يأتي بغتة دون سابق تخطيط.

وجدته في قلب الحياة.. ينسج كلماته بقلم «مغامر» مازال عاشقاً.. ثم عاشقاً. ثم عاشقاً.. ولكنه لايقول ذلك.. كان هناك يؤثث لانعتاقه الذي لم يشعر به إلا من خلال خيالات وأفكار تأتي به صحفياً.. لتحوله إلى «كاتب» يعيش الحكايات التي عاشها أو التي لم تمنحه الحياة فرصة حتى يعيشها.. هناك في تلك «العزلة الحبرية الشفافة» يقول عن «حسن» كل شيء، يصغي حد الثمالة للمصادفات والدهشة التي يحب أن يفتح قلبه وروحه لها ولكنه يكره أن يخطط لها فأجمل أنواع الحب.. هو الحب الذي يحدث بشكل سري فيهبنا «السرقات» الجميلة غير المسبوقة في التفاعل الإنساني العاطفي.. أجده يلون كل «الأسئلة» بأسئلة أخرى غير مكشوفة ولكنها تغري على الانكشاف.. يحب ذلك المصير الذي يأخذ بيده إلى «الكلمة» التي تحرضه على مزيد من «التوق» وبعد أن ينتهي من حياكة عالمها ينظر إلى الجميع ليسأل «من قرأ ماكتبت ؟! يأتي هنا لأنه الرجل الذي لم يسع إلى نزع الأقنعة عن الوجوه لأن تلك القسوة لاتغريه..

اكتشفت هؤلاء بعد أن خدعوا الناس بصورهم المزيفة

«الروائي والكاتب اللبناني المدهش «حسن داوود».. يدخل المكشوف.. ليختار من البوح ما يجعله أمام طريق طويل جاء منه.. هذا العمر الذي لايخشى الشيخوخة ولكنه يخشى حالة الانفصال الذي تحدث له بعد أن يشعر بأن «حسن العشريني» يختلف عن «حسن» الذي يعيش هذه المرحلة العمرية من الزمن.. هنا يتحدث عن جوع المدن، وجوع القلوب، وجوع الأحلام.. والتشبث بمستحيل طويل ليس المهم أن يحدث أو لا يحدث فالأهم أن يكون هناك مايمكن أن يغلق عليه عينيه ليبصره «بقلبه» حتى إن كان صعب الحدوث.. أسأله عن السفر عبر الشخوص.. فيقول لي «أكره أن أكون الشاهد المحايد في» بيروت».. ألوح إلى الحب.. ثم أنظر إليه لأقول «الحب يغيرنا.. أليس كذلك ؟ فيقول لي الحب لايغيرنا إلا تجاه من نحب ! أسأله «مالذي تخفيه ياحسن !! يبتسم ليعلق» من يرونني يقرأون ذلك في وجهي».. يجمع جميع أوراقه.. يدس قلبه بين طيات «صحيفة» كان يحملها بين يديه ثم يدير ظهره ويغادر.. أقول له «ألن تبوح بالسر؟ يعاود النظر إلي ليقول»حتى أكثرنا صدقا» وطهارة مملوء بالأسرار التي تبقى في داخله وتستمر في تعذيبه»..


بعدسة حبيب شريف

مفاجآت الحياة:

نتحمل الكثير من الخسارات والأذى.. ولكن هناك دائماً "أشخاصاً" في حياتنا يمثلون "خطاً أحمر" لانسمح أن يؤذيهم أحد أو يقترب منهم وربما هم "نقطة الضعف" لدينا.. من هو الخط الأحمر في حياة "حسن داوود" ؟ ومتى تضع البعض في قائمة الخطوط الخضراء التي تحب أن تتجاوزها ولا تنظر إليها؟ كثيرون هم الأشخاص الذين نرغب في ألا يُلحق بهم الأذى، وهم سيصبحون أكثر إن عفونا عن هفوات وقلنا بيننا وبين أنفسنا إننا كنا سنرتكب الهفوة نفسها ربما لو كنا في مكانهم. لا خطوط خضراء إذن حين يتعلّق الأمر بالأذيّة. طبعا هذا متفاوت إذ لن ينتابنا شعور التعاطف نفسه، أو شعور الخوف نفسه بالقدر ذاته على الجميع.

حتى أكثرنا طهارة يحمل أسراراً لا تكف

عن تعذيبه وإدانته

شخص آخر:

كتبت على لسان إحدى الشخصيات في رواية مئة وثمانين غروباً(فجأة وجدت نفسي وقد صرت كبيرة، كأن كبري استعجل علي.. كأنه سبقني).. أيمكن للشيخوخة أن تستعجل بنا حتى نجد أنفسنا دون أن ندري هناك في آخر الطريق خائفين ؟ أتخشى الشيخوخة ؟ ماذا جهزت لها من مفاجآت ؟

أصعب ما في الشيخوخة هو أنّها تفصل الواحد منا عن نفسه، أقصد أننا، فيما نحن نلجها من باب الستين نجد أنفسنا فاصلين بين ما كنّاه وما صرنا إليه. أي إنّ شخصا آخر كان هناك في عمر العشرين أو الثلاثين. وأنا، إذ أروح أتذكّر ذلك الماضي أرى أن من كنته اختلف عنّي فصار كأنّه واحد من أقربائي أو صديق قديم لي.

لكن، على رغم دخولنا إليها أجد أنّ الشيخوخة أعمار كثيرة وليست عمرا واحدا. أنا الآن، في ما أحسب، ما زلت في أوّلها، ما دمت أجد نفسي غريبا فيها. لم أصل بعد إلى العجز البدني والتراجع الذهني الملازم لها. ما زلت مثلا أترقّب وصولي إلى عمر الشيخوخة وإن كنت ما أزال قليل الخوف منه بعد. في أيام الشباب كنت أعد نفسي بشيخوخة هانئة متصوّراً إنّني يمكن أن أظلّ أنا وإن كثر عليّ العمر. الآن فقط عرفت أن الشيخوخة هي أن أتغيّر ولا أعود فيها كما كنت.


في عمر السابعة عشرة

الشاهد المحايد:

أنجبتك "بيروت" بعد أن وهبتك الفضاء والأرض وقالت لك..اسرد أحلامك. مضى وقت طويل ومازلت تسرد الأحلام.. أمازلت تلتقي ببيروت ؟ متى آخر مرة طرق الباب عليك وحينما فتحته وجدت "بيروت" واقفة عند العتبة مبتلة الثياب وقلبها بين يديها ؟

بيروت أيضا تغيّرت.. ها قد انقضت على صورتها الأولى أربعون سنة، وهو زمن ليس بالقليل. نحن الذين عرفناها في زمنيها بقينا حالمين بما كانته، بأن تعود كما كانت وهذا، في ما أحسب، ظهرت له محاولات كثيرة متفرّقة. كلّ مؤسّسة تقام، كل مشروع جديد يعد، سواء كان ذلك بالتصريح أو بالتلميح، بأن يعيد مجد بيروت السابق. لكن الحال تغيّرت الآن. تلك السنوات الأربعون باتت كافية لأن تأتي أجيال جديدة كوّنت ذاكرة جديدة لها تبدأ مما بعد تلك السنوات الأربعين. الطلاب الذين درّستهم في الجامعة قالوا إن لا صلة تجمعهم ببيروت ما قبل الحرب. لا يحنّون إلى ذلك الزمن ولا تحتفظ ذاكرتهم بشيء منه. إنّهم يبدأون من زمنهم، غير مكترثين حتى بأن يعرفوا ما يعرفه من هم في أعمارهم عن مدنهم، هناك في بلدان العالم الأخرى.

أما أنا فأحاول اللحاق بما تصير بيروت إليه. لقد تغيّرتْ مرة أخرى بكونها تبنى لتكون مختلفة حتى عما كانته قبل الحرب وكذلك عما كانته لسنوات كثيرة من بعد الحرب. في كتابي الأخير، "نقّل فؤادك" الذي صدر منذ أيام، متابعة لتجربتي في البحث عن مكان لي في هذه المدينة الجديدة. أكثر ما أخاف هو أن أكتفي بالتفرّج عليها، أو أن أكون مجرّد شاهد محايد على جديدها، أن أكون مثل زائر ينظر إلى الأشياء حوله ويحار بين أن يعجبه ما يراه وألا يعجبه.

الحب يغيرنا تجاه من نحب وهو أقل بقاء وقدرة على تغير البشر

لن تخذلنا الأحلام مادمنا نؤمن أن الحياة ستأتي بها.. أحسد أولئك القادرين على تبديل وجوههم ومشاعرهم

الأمكنة والوحدة:

كتب بسام حجار (ولم ألمح في عبوري صورة تمحى، أو مكانا يزول.. ولم يفسر لي أحد ما الأسى.. ولم أجد في خَبَراً عما رأيت. فالمكان هنا ليس هو المكان بل خاطرة تبددها اليقظة)..كم يقظة عشتها بددت في داخلك أحلاما وقناديل؟ أخبرني ما الأسى؟

كان بسام مُعرضاً عن الأمكنة، محتمياً منها بمنزله الذي أعرف أنّه ظلّ ملازمه لزمن جاوز نصف حياته. أكثر كتبه دارت حول تلك الغرف القليلة والممشى الطويل الفاصل بينها. هذه المساحة القليلة ملأها بسام بخيالات لأرواح وأطياف وهواجس وتأمّلات، ولا أقول آمالا، حتى تساوى المتوّهَم فيها مع المُعاش. في قصائده الرثائية الأخيرة، خصوصا تلك التي رثى بها والده، بدا مكان الانتقال، ذاك الذي أودع فيه جسد أبيه، وقد صار مكان التوهّم الأخير، المكان الأصل، إذ أحسب أن بسام قد بلغ جنّته الشعرية هناك، حيث اكتمل في شعره مكان الأسى.

ربما كنت ألصقَ بالأرض من بسام، فتلك الوحدة التي اختارها لأكثر عيشه لا أظنّ أنّني قادر على احتمالها.

الأحلام الصعبة:

هناك أحلام ندير ظهورنا عنها ونمضي مضطرين.. وهناك أحلام تدير ظهرها عنا وتمضي.. وأجمل الأحلام هي تلك التي نسرقها في لحظة كنا نتوقع فيها بأنها لن تتحقق.. أتحب سرقة الأحلام ؟ وماذا تفعل حينما تدير "هي" ظهرها عنك بعد أن تقول لك "لا تتبعني" ؟

وهناك أيضا أحلام ننتظر تحقّقها ولا نملّ، وإن كانت لن تتحقّق أبدا على الأرجح. الأحلام الكبيرة هي دائما صعبة التحقّق، أو أن نصيبها من ذلك هو ذاته حظّنا في أن تربح ورقة اليانصيب الجائزة الكبرى. ما يعوّل عليه فعلا هو المصادفات، أي إن يأتينا ما لم نكن ننتظره ولم يكن في حسباننا. أعتقد أن "التحقّق السعيد" هو ما ينبغي انتظار حصوله، أي إن لا يكون واحدنا منتظرا شيئا محدّدا، بل أن يصدّق فقط بأن الحياة ستأتيه بما يسرّه.

من ذلك مثلا أنّنا إن حلمنا بالحبّ، بوصال الحبيب، نكون نبعده ونجعله مستحيلا. وهو، حين يحدث، يحدث مصادفة، كأن يكون الشاب في سهرة لم يتهيّأ لها، ويبدأ بينه وبين إحدى الساهرات، ذلك التبادل للنظرات المؤدّي إلى ما يشبه التواطؤ السرّي الذي يحدث بين غريبين لم يكن أحدهما يعرف الآخر.

بعض الإساءات تعيش في دواخلنا ونعجز عن اجتثاثها.. لا أحتمل تلك الوحدة التي اختارها «بسام» لمعظم حياته

مدن الهروب:

نسافر بجوع كبير للمدن.. نحمل ذلك "الجوع" وكأننا نشتهي أن نلتهم كل شيء فيها حتى وجوه المارة في الطرقات وأصواتهم وانشغالاتهم.. نجوع إلى المدن وتجوع هي.. أتعرف جوع المدن ؟ إلى ماذا تجوع المدن ؟ ومتى تصاب بالتخمة ؟

هو جوع إلى المدن التي هناك، تلك التي، في ما خصنا أجيالا تلو أجيال، ليست هي مدننا. تعرفين ذلك من تلك الهجرات الأسطوريّة التي يقوم بها شباب مدننا الكثيرة إلى ذلك العالم الذي أسهمت في أغنائه المخيّلات. تلك القوارب الهشّة القابلة للعطب والمنذرة دائما بالموت لا ينبغي أن يكون هدفها، في مخيّلات أولئك المهاجرين، أقلّ من وصول إلى جنّة. ذاك أن تلك الرحلة لم تعد مقتصرة على عبور ذاك المضيق الموصل من بلاد المغرب إلى شمال إفريقيا، فكلّ من في بلاد العرب بات حالما بالوصول إلى تلك الجنّة.

في أيامنا كانت أوروبا ترفا، صورة مجمّلة عن بيروت المزدهرة آنذاك. اليوم بات الناس يقصدون أوروبا هاربين إليها. لا نجوع إذن إلى ما قد تمنحه لنا مدننا، بل بتنا لا ننتظر منها إلا أن تنجّينا من الخوف والقسوة اللذين يزدادان تركّزا فيها.

حالة الخلق:

كتبت (بت الآن أعرف أن عيني الشخص لا تكفيانه وأن الناس يحتاجون إلى أن يسمعوا بآذانهم حتى يكملو قصة رأوا شيئا فيها).. أي القصص التي تحتاج منا في الحياة لأن نسمعها بقلوبنا؟ ماذا يسمع قلبك الآن؟

القصة التي نسمعها بقلوبنا هي تلك التي نؤلّفها بأنفسنا، أو تلك التي نعيد روايتها على أنفسنا، مرّة بعد مرّة، فيما نحن نؤلّفها. أن نتخيّل مشاهد ونسرع من بعد إلى كتابتها هو أجمل ما تمنحه الكتابة. لذلك يكون ممكنا تحمّل الكتابة التي هي عملية صعبة شاقّة تخرج من يقوم بها من سياق حياته لتضعه في سياق آخر سواه. ذلك الشعور بالخلق، ولا أقول الإنجاز، هو تعويض عن تعب الساعات التي نقضيها في مطاردة الخيالات والأفكار والاستغناء عنها أحيانا، أو عن أكثرها، بعد العثور عليها. لا علاقة للكتابة بذلك المشهد الرومنطيقي الذي يُبدي الكاتب جالسا بكامل أناقته إلى مكتبه الأنيق. الصورة الأصحّ، وهذه متخيّلة أيضا، هي أن يكون حال من يكتب شبيها بحال الحطّاب.

مهنة الأحلام:

لطالما شعرت بأن "الصحافة" كالحبيب الذي دفع باب الروح بأصابع يديه ورمى بداخل القلب هذا العشق.. ثم غادر دون أن يعطي الوعود بالزواج ويفي.. وأنت عملت في الصحافة لعدة سنوات ومازلت.. حينما تجلس خلف مكتبك في الصحيفة ماهو الشعور الذي يرافقك دوماً؟ ألا تتفق معي بأن "لعبة الصحافة" لعبة مقلقة قد تجرحنا وقد تدفعنا إلى آلام وأحزان لاحصر لها ؟

لا أعرف على أيّ شكل كانت ستكون حياتي لو لم أعمل في الصحافة. هذه المهنة نجّتني من تحمّل تعب الوظائف وروتينها. لقد بقيت لسنوات غير مصدّق تلك النعمة. في أيّام الشباب كان العمل في الصحافة أشبه بتحقيق مستمرّ لحلم. نحن، زملاء الصحافة في زمن عملنا الأول، وقد تصادقنا وبقينا أصدقاء إلى الآن، كنا نشعر بأننا نحتل صهوة العالم. لكن الصحافة تصير، في السنوات اللاحقة، مهنة مثل سائر المهن. نكتب مقالات لها من دون أن ننتظر نشرها متشوّقين. ثم أننا لا نعود نسأل من قرأوا ما كتبنا. لم يعد ذلك إلا قياما بالواجب. ولا أعرف إن كان طول العمر والمراس هما ما أوصلنا إلى ذلك التعب، أو أن الصحافة، أقصد الصحف، لم تعد مثلما كانت. أو، وهذا هو الأرجح، بتنا بعد تلك التجربة مدركين أننا حلمنا أكثر مما ينبغي.

طبعا أميل إلى تفضيل كتابة الرواية، تلك التي لن تكون مهنة لأحد في بلاد مثل بلداننا. على الأقل تظلّ الكتب متّصلة بكاتبها فيما الجريدة لا تبقي من سنوات كتابتنا الطويلة فيها إلا ما نتذكّره من حماستنا لها.

الحب والتغير:

كتب باولو كوهيلو(الوقت لايغير الإنسان ولا الحكمة أيضا إنما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يدفع الكائن ليتغير هو الحب).. وماذا عمن يدعي الحب وهو لم يتغير.. هل يكون كاذباً؟ وماذا عن الشخص الذي لم يزر الحب حياته يوماً.. أيمكن أن يكون ميتاً ؟

لا أعرف إن كان ذلك صائباً. أظنّ أن الحبّ يغيّرنا تجاه من نحبّ على الخصوص. في ما له علاقة بذلك القول لكوهيلو أرى أن روائيّنا هذا منسجم مع نفسه، ومع أسلوبه، ومع رغبة قرّائه أيضا، في تفضيل الحبّ على الحكمة والزمن. شخصيا أظنّ أنّ الحبّ أقلّ بقاء وقدرة على تغيير البشر من الحكمة، كما من الزمن خصوصا.

الاختباء:

في مكان ما بداخلنا نخبئ "ذواتنا" التي نعرفها جيداً ونخشى عليها من هشاشتها.. أمام العالم قد نظهر صلابتنا وعندما نتوحد بوحدتنا نخرج ضعفنا.. وماذا عنك ؟ أين تخبئ " حسن داوود ؟ هل أنت.. أنت ؟ أم أنك شخص آخر ؟

لا أتحلّى بالحنكة التي تمكّنني من أن أخبّئ شيئا مما فيّ. لطالما حسدت أولئك الناس، ولطالما ازدريتهم أيضا، أولئك الذين يمكنهم تبديل وجوههم فيُظهرون، مثلا، عن الحفاوة في وقت ما يكونون غير راغبين بمن حلّ بينهم. كما إنني لست صَلبا بهذا المعنى الذي تقصدين. في ذلك أنا دون المعدّل إن شئت. طبعا هناك أشياء كثيرة تحدث في داخلي، لكن على الدوام أعرف أنّ من يرونني يقرأون ذلك في وجهي. ينطبق عليّ كثيرا ذلك المثل القائل: يكاد المريب يقول خذوني.

نزع الأقنعة:

في المواقف الصعبة في الحياة تنكشف أقنعة البعض فيتخلون عن أدوارهم التي لطالما لعبوها أمامنا فتسقط الأقنعة، وتنتشر رائحة الجثث..كم قناع سقط وشممت خلفه رائحة "جثة ميتة" أتدفن تلك الجثث حتى لاتتذكرها؟ أم أنك تبقيها معلقة في الذاكرة ؟

لحسن حظّي لم تعرّضني الحياة لهذا الضرب من القسوة تجاه الآخرين. ولا أجدني ساعيا إلى نزع الأقنعة عن الوجوه، تشفيا وانتقاما. إن شئت أن أكون أكثر دقّة أقول إنني شاهدت بعض الانكشافات التي تحوّل الناس عن الصورة التي شاؤوها لأنفسهم، أو شاؤوا إظهارها للناس، لكنّ ذلك لا يتعدّى ما يحدث في الحياة اليومية، أو ما يفوقها بقليل.

وردا على الشق الثاني من السؤال أقول إنّ هناك ما ننساه وهناك ما يظلّ ملازمنا. في أحيان يطول بقاء الإساءة فينا، ومن قبيلها الحسد مثلا، والكراهية، ولا نفلح دائما في ردعها عنا. ولا يفيد حتى إقناع واحدنا لنفسه بأن ذلك لا يستحقّ تلك المشاعر غير المفيدة التي نبذلها. لسنا ملائكة على أيّ حال. لست ملاكاً، لكنّني أعرف في الوقت نفسه أنّني لست كياناً صافياً.

عذاب الاسرار:

  • ماهو السر الذي لم تقله يوما لأحد ؟

أسرار صغيرة ليست في جسامة ما نشاهد في الأفلام حين الحياة محكومة بسرّ واحد، كبير وطاغ، يكتنفها. لا أكثر من كذبة قيلت للتخلّص من ورطة، لا أكثر من شهوة حصلت في غير مكانها المناسب، ولا أكثر أيضا من إيثار النفس، بغير وجه حق، باستبعاد من يستحقّون ما حصلتُ عليه أكثر ما أستحقّ أنا. حتى أكثرنا صدقاً وطهارة مملوء بهذا النوع من الأسرار التي ربما يبقيها في داخله فقط من أجل أن تستمرّ في تعذيبه.


بسام حجار

بعدسة لوران ديمينال

حسن في مرحلة الشباب

داوود في مطلع السبعينيات وفي الوسط جده

بين الراحلين مصطفى الحسيني ومحمد دكروب

في اسبانيا بين كتاب وفنانيين

خلال نزهة في مرحلة الشباب