عندما تأسست القنوات السعودية التمويل خارج الوطن انطلاقاً من الام بي سي في العام 1990 وما تلاها من قنوات، بقي منها فقط من كانت لها خطط طويلة المدى واختفى منها من لم تتحمل فكرة الانفاق على المدى البعيد حتى تتحقق الايرادات.

كان تأسيس تلك القنوات في الخارج لأنه لم يكن هنالك تصاريح للبث من الداخل ولهذا اعتمدت هذه القنوات على الكوادر الفنية المتوفرة في الدول التي تأسست فيها سواء في اوروبا او العالم العربي لاحقاً كمصر والاردن إلى أن قدمت دبي مدينتها للإعلام والتي استقطبت معظم القنوات لتبث منها وبالتالي اصبح توفر الكوادر العربية والاجنبية فيها بمنتهى السهولة. كل هذا تم في ربع قرن تقريباً دون ان يكون لنا اي دور في اجتذاب الاستثمارات الاعلامية السعودية حتى بدأنا في الافراج التدريجي عبر بث بعض البرامج والآن وبعد ان تأسست هيئة المرئي والمسموع التي تسعى لتأسيس منصة للبث على امل استعادة تلك القنوات لكي تبث من الداخل وهي خطوة تأخرت ربع قرن ولن يتحقق لها النجاح المأمول ما لم يصاحبها العديد من الخطوات التنظيمية والمشاريع المصاحبة ومنها ان تكون منصات البث داخل مدن اعلامية تتمتع بالحصانة التي تتمتع بها المناطق الحرة في العالم وان تكون بعيدة عن التدخلات التي يمكن ان تحجم دورها.

وعندما نقول مدن اعلامية فنحن لا نقصد المسمى ولكن المحتوى فالقنوات تحتاج الى خدمات مساندة كالمقرات وشركات التقنية والاستديوهات وشركات الانتاج والخدمات الانتاجية وغيرها من الخدمات المتعددة وهذا الأمر قد يشجع عددا من المستثمرين السعوديين الى الاستثمار في مجال تأسيس القنوات التي تستهدف الربحية فمن المعروف ان عددا كبيرا من القنوات التي تأسست في السابق واختفت نظرا لنضوب الموارد لم يبق منها سوى بعض القنوات الفكرية غير الربحية والتي تمول من قبل افراد او جماعات او منظمات وتهدف الى الترويج لفكر معين عبر برامج حوارية قليلة التكلفة قياسا بالقنوات الترفيهية او الاخبارية او المنوعة.

إن تأسيس منصات للبث سيشجع فقط بعض القنوات التي تعتمد على المواد المسجلة للعودة الى الوطن ولكن القنوات الكبرى والتي تأسست على الاستفادة من الكوادر الاجنبية او العربية لن تعود للوطن الا اذا توفرت لها ظروف افضل مما هو متوفر لها الآن وهو امر في غاية الصعوبة ولكن يمكن الوصول اليه إذا خطونا خطوات كبيرة في سبيل انشاء مدن اعلامية متكاملة للانتاج والبث وهو امر كما نعرف محفوف بالمخاطر في ظل بعض الانظمة المقيدة للحريات ما لم يتم تجاوزها وعلينا ان نراقب ما هي مقومات النجاح التي توفرت في المدن الاعلامية سواء في الامارات او مصر وان نوفر ماهو افضل منها محلياً حتى يمكن لنا ان نستعيد قنواتنا المهاجرة ونشجع الاستثمار في الاعلام المرئي والمسموع عبر تأسيس قنوات ترفيهية وخدمية وعبر تشجيع الاندماج بين رؤوس الاموال الصغيرة لتتحد في كيانات اكبر وهذا ولاشك سيتيح لابناء الوطن فرصا لا محدودة في العمل في هذا المجال الذي حرمنا منه رغم ضخامة رؤوس اموالنا المستثمرة فيه ولعل تزامن إطلاق منصات للبث مع اطلاق شركة قياس نسب المشاهدة تؤسس لعمل إعلامي احترافي يحتاج أن يتجاوز سنوات أهدرت بين ممنوع وغير مسموح.