لا تزال تجربة كثير من المتحدثين الرسميين في العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية غير واضحة الملامح، ويشوبها العديد من الجوانب السلبية، ومن أهمها قلّة التأهيل، وافتقاد بعض مهارات الاتصال والتواصل، إلى جانب التحفظ وحجب بعض المعلومات عن وسائل الإعلام، كذلك عدم اكتراث بعضهم بالرد على وسائل الإعلام أو التفاعل مع ما يشغل الرأي العام من قضايا تخص الجهة التي يتبع لها، وحتى إن جاءت الردود بعد طول انتظار؛ فإنها قد تأتي في كثير من الأحيان مغلفة بلغة الدفاع عن المنشأة وممزوجة بعبارات التسويف والوعود التي لا يستطيع المتابع فك رموزها.

ويبقى دور المتحدث الرسمي ذا أهمية كبرى في ظل وجود العديد من المنتديات والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي التي قد تساعد على خلق الإشاعات ونشرها، ومن هذا المنطلق صدر قرار مجلس الوزراء بإلزام الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة والأجهزة الحكومية الأخرى، خصوصاً الجهات الخدمية، بتعيين متحدثين رسميين في مقارها الرئيسة، وفي الفروع بحسب الحاجة للتواصل مع وسائل الإعلام وتزويدها بالمعلومات الصحيحة والمستجدات أولاً بأول.

دور غائب

وقال "أحمد الصقعوب" -مدير محطة تلفزيون القصيم- :"قبل أن نتحدث عن أهمية المتحدث الرسمي يجب أن نعرف ما هية المتحدث الرسمي، ودوره الحقيقي في الإدارة الحكومية أو المنشأة التجارية، وإذا عرفنا ذلك تيسّر علينا معرفة أهميته"، مضيفاً أن المتحدث الرسمي هو من ينقل الصورة الحقيقية عن الإدارة لدى المجتمع دون إفراط أو تفريط، موضحاً أن الدور غائب إلا ما ندر؛ لأن ما نشاهده ونسمعه ونقرأه اليوم هو أن العديد من المتحدثين الرسميين أو الإعلاميين عبارة عن صوت يُضخِّم عمل الإدارة والمدير ويظهر ذلك في صورة حسنة ويخفي جوانب القصور والتقصير.

وتساءل عن مدى وجود المتحدث الإعلامي الرسمي المؤهل؟ موضحاً أن العديد منهم غير مؤهلين وفق الأسس والمبادئ الصحيحة لدور المتحدث الإعلامي -على حد رأيه-، مشيراً إلى أن هؤلاء يوجدون في الغالب بالقرب من مركز صناعة القرار، أو ممن مارسوا العمل الصحفي وتم استقطابهم لأداء هذه المهمة، مبيناً أن الأمر مختلف في الشركات الكبرى، إذ نجد أن المتحدث الإعلامي ومدير العلاقات العامة ممن تلقوا دورات تدريبية وميدانية قبل وصولهم إلى هذه الوظيفة.

تتبع الاشاعات

وأشار "د. خالد الشريدة" -عميد القبول والتسجيل بجامعة القصيم- إلى أن إيضاح المعلومة يقتل الشائعة في مهدها، موضحاً أن ذلك يأتي تأكيداً لتوجيه قيادتنا الرشيدة من ناحيتين، الأولى هي أهمية ردّ أي مؤسسة حكومية على ما يشاع عنها بشكل سلبي، والثانية هي الالتزام بأن يكون هناك متحدث رسمي يوضح أي حقيقة تكون محّل تداول العديد من أفراد المجتمع، لافتاً إلى أن تزايد ظاهرة تتبع الإشاعات تنبع من كون بعض المسؤولين يتهاونون في إبراز الحقائق والأرقام التي تجعل الناس يثقون بأعمالهم وإنتاجيتهم.

وأكد على أنه لو لم يكن الأمر من الأهمية بمكان لما أنزل الله في كتابه الكريم آيات تتلى في تبرئة أم المؤمنين "عائشة" –رضي الله عنها- في حادثة "الإفك"، إذ قال -سبحانه وتعالى- :"إِنَّ الذين جاءوا بالإفك عُصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم"، موضحاً أن الفحش هنا هو الإشاعة والاتهام، مشيراً إلى أنه لا يمكن أن يتم قطع الإشاعة دون بيان الحقيقة.

وبين أن تعذر التواصل الصحفي مع بعض الجهات له عدد من الأسباب، منها ما يخص الجهة نفسها، ومنها ما يخص الصحيفة أو الصحفي على وجه الخصوص، مضيفاً أنه لا بد أن يكون لدى لكل جهة متحدث رسمي وموقع الكتروني توضح عبره مشروعاتها وأنشطتها وما قد يستجد من أمور طارئة هي محل اهتمام أفراد المجتمع أو الصحافة، مشيراً إلى أن بعض الجهات مقصرة جداً في التواصل مع الجمهور ومع وسائل الإعلام المختلفة، مؤكداً على أن ذلك مخالف لتوجيهات الدولة.

سبق صحفي

ولفت "د. الشريدة" إلى أن تعجُّل بعض الصحفيين في الحصول على المعلومة من باب الحصول على سبق صحفي لمطبوعته قد يؤدي في بعض الأحيان إلى أن تكون الحقيقة مبتورة، وبالتالي فإن الجهة المعنية لا تحبذ حينها الإفصاح بشيء حتى تكتمل الصورة، داعياً إلى أن ترتقي الصحف المحلية بالعمل الصحفي وأن تراعي أن هذا العمل هو شرف وأمانة، مشيراً إلى أن بعض الجهات قد تتخوف من بعض الصحف أو الصحفيين فترى حينها أنهم يبحثون عن الإثارة عبر نشر معلومات تنقصها الحقيقة، الأمر الذي قد يجعلها لا تتعامل بشكل جيد مع جميع الصحف أو الصحفيين.

انتهى زمن التحفظ على المعلومة وتجاهل الاتصالات أو الرد بأسلوب «أرجع أكلمك»

الدور الأمني

وعن أهمية مبادرة المتحدث الرسمي في إعطاء المعلومة الصحيحة، قال العقيد "فهد الهبدان" -المتحدث الرسمي بشرطة منطقة القصيم- :"أؤكد على أنه بصفتي الناطق الرسمي لشرطة منطقة القصيم فإننا من المبادرين في التواصل مع الإعلام بأطيافه دون تأخير، بيد أنه يجب أن يعلم الصحفي أن دورنا في الإعلام دور لاحق للحدث، بمعنى أننا نؤدي الدور الأمني أولاً، وهذا هو الأهم بالنسبة لنا؛ لأن حصر التعامل مع مسرح الحادث من قبل خبراء الأدلة والمحققين لإظهار نتائج تخدم القضية يؤخر تزويد الصحفي بالمعلومة".وأضاف أن المعلومة هنا قد تقبل أكثر من رأي، موضحاً أن أدوار الخبراء في التعامل مع مسرح الحدث يكون تباعاً؛ ضماناً لإخراج رؤية كاملة للقضية، مشيراً إلى أن تحليلها يعد من أهم الأسباب المؤدية للتعرف على الجناة، كما أن التسرع بتحليل القضية يمكن أن يجعلها تُقدم أمام القضاء من قبل المجني أو المجني عليه كدليل يخدم قضية كل طرف ضد الآخر، مبيناً أن تعليمات النشر وآلياته هي المنظمة للتواصل مع الإعلام بما يخدم الصالح العام، مؤكداً على أنهم في شرطة القصيم يعملون وفق تلك الآلية بكل دقة وموضوعية.

وأشار إلى أن هناك تعليمات تؤكد على الطرفين الناطق الإعلامي والصحفي بعدم النشر، موضحاً أن هذا يُحسب لهم لا عليهم، مشيراً إلى أن الاعتذار في الغالب يكون من صالح القضية؛ لكي لا تظهر تلك النتائج للجاني، خصوصاً إذا كان هناك أطراف في القضية لم يتم القبض عليهم، أو رغبة في عدم تطور القضية، لافتاً إلى أن الخلل أحيانا يكون من الصحفي نفسه بطلبه سرعة تزويده بالمعلومة لكي يكتب الخبر لينتهي منه دون الاهتمام بما ستؤول إليه القضية، مبيناً أن دور الرئيس المباشر عن الجهة الحكومية وسلطته قد يكون لها دور في تقنين المعلومة الصادرة أو حجبها في بداية التجربة كحدث جديد، بيد أنها لم تكن عقبة تواجههم في شرطة منطقة القصيم.

انتقاء المتحدث

وأوضح "محمد الدباسي" -المتحدث الإعلامي بالمديرية العامة للشؤون الصحية بمنطقة القصيم- أن الإعلام هو العامل المؤثر في الحراك الثقافي والاجتماعي في مختلف الأوقات، مضيفاً أن أدواره تضاعفت حالياً نتيجة تنوع أدواته واتساع دائرته، مشيراً إلى أنه في ظل هذا التزاحم الإعلامي المتنوع وبعد انتشار أجهزة الاتصال الحديثة، فإن قنوات ومصادر الإعلام تعددت، مبيناً أن كل فرد من أفراد المجتمع أصبح إعلامياً بذاته، فهو يبث الخبر والتحليل والرسالة إلى عدة مستهدفين يروجون هذه المعلومة والرسالة خلال لحظات.

وأضاف أن خادم الحرمين الشريفين وجه بأهمية تواصل الجهات الحكومية مع الإعلام وإنشاء المراكز الإعلامية واستحداث وظيفة المتحدث الإعلامي وانتقاء هذا المسؤول وتهيئته وتدريبه؛ ليدرك الأبعاد الإعلامية وأهمية الإعلام في الحراك السياسي والاجتماعي والعملي واختيار الأوقات المناسبة لبث الخبر والترويج له وكيفية التعامل مع آلات التصوير وأعراف اللقاءات والمؤتمرات الصحفية، مشدداً على ضرورة اختيار هذا المتحدث ممن سبق لهم ممارسة العمل الصحفي؛ ليكون مدركاً لأهمية المعلومة والوقت وآلية النشر المعمول بها في وسائل الإعلام.

وأشار إلى أن مما يساعد على نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة عاملان مهمان، هما عدم وجود الشفافية والمبادرة، إلى جانب ضعف التواصل مع الإعلام أو إهماله، مؤكداً على أنه يجب أن يدرك المتحدث الرسمي دوره وأن يبادر إلى نشر المعلومة قبل وصولها لإعلام الأفراد؛ ليقطع الطريق على تشويه الحدث أو المزايدة عليه.وقال: "نسمع أحياناً عبارة تعذر التواصل مع المتحدث الرسمي؛ لذا فإن من الضروري أن لا نغفل كون المتحدث الرسمي إنساناً يحتاج إلى أوقات راحة، إلى جانب أنه قد يتعرض إلى خلل تقني في وسيلة اتصاله؛ مما يمنعه من التواصل لساعات أو دقائق".

تناقل الأخبار

وبين "د. عبدالعزيز المشيقح" -أستاذ علم الاجتماع بجامعة القصيم- أن تنامي عدد القنوات الإخبارية الإلكترونية وبرامج التواصل الاجتماعي شكل أهمية وحساسية لكثير من القضايا في المجتمع العربي عامة ومجتمعنا المحلي بشكل خاص، مضيفاً أن ذلك أدى إلى تنامي ظاهرة تناقل الأخبار عبر قنوات التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالعديد من القضايا المجتمعية، خصوصاً القضايا الأمنية والقضايا التي تمس المواطن بشكل مباشر.

وأضاف أن أي قضية تحدث أو تطرح في المجتمع أصبح يوجد لها عدة تفسيرات نتيجة غياب الحقيقة التي تختزنها هذه المؤسسة أو تلك، مشيراً إلى أن ذلك ناتج عن الروتين الذي تعلمناه في أزمنة مضت على أساس انتظار من يوجه المتحدث من جهاته العليا بالتنميط والتحسين وتلميع الخبر؛ مما يسبب إشكالية لدى متابعي تلك القضية، فلو أننا بادرنا بتعيين إعلاميين أكفاء لهم صلاحيات مطلقة كمتحدثين رسميين في قطاعاتنا الحكومية وغير الحكومية لما فتحنا المجال للتخرُّصات والتكهُّنات وغياب الحقيقة وضياع الشفافية، لافتاً إلى كل ذلك مؤداه وسببه هو عدم وجود الناطق الرسمي المتجاوب سريعاً مع الحدث.


أحمد الصقعوب

د. خالد الشريدة

العقيد فهد الهبدان

محمد الدباسي

د. عبدالعزيز المشيقح