استطاعت العديد من النساء تحقيق المعادلة الصعبة المُتمثِّلة في إثبات وجودهنَّ عبر مخزونهنَّ الفكريَّ الراقيّ ووعيهنَّ اللا مُتناهي، ورسالتهنَّ الإنسانيَّة التي أخرجتهنَّ عن إطار النظرة القاصرة والنموذج التقليدي للمرأة، الذي ينظر إليها عبر بوَّابة المظهر الخارجي وما تمتلكه من مُقوِّمات الجمال فقط، إلى إنسانة ذات كيانٍ مُستقلّ قادرةٍ على التفكير والتحليل والنظر للحياة بطريقةٍ علميَّة جادةٍ وعميقة. وعلى الرُّغم من ظهور بعض النماذج المُشرِّفة للمرأة، إلاَّ أنَّ هناك العديد من النساء اللاتي خرجن عن دائرة هذا المفهوم الواعي، خاصَّة من جيل الشابات اللاتي تمحورت اهتماماتهنَّ حول الاهتمام بالمظهر وإهمال الجوهر الحقيقيّ الذي تجب العناية به أيُّما عناية، فهناك فتيات يتفننَّ في إبراز ما يُمكن أن يجعل منها أُنثى في نظر الآخرين، خاصَّةً عندما يتحركن بغنج متعمَّد، إلى جانب التأثير في الآخر عبر ملابس ذات ألوانٍ صارخة، وكذلك الحديث بصوتٍ عالٍ، إضافةً إلى ضحكات يتردَّد صداها عبر الأثير لتصل إلى أُذنيه مُحرِّضةً إيَّاه للالتفات نحوها وليّ عنقه ليرى فيها ما تعتقد خطأً أنَّه النموذج الأمثل والأكمل للمرأة، في الوقت الذي كان عليها أن تخرج عن عباءة هذا المفهوم الضيِّق إلى فضاءات امرأةٍ عصريَّة تُقدِّم نفسها عبر فكرها المُتقد ونظرتها الإيجابيَّة للحياة باعتبارها عضواً صالحاً وفاعلاً ومُساهماً في دفع عجلة التقدّم والتطوّر الذي تعيشه بلادنا على امتداد السنين الماضية. يبقى الاهتمام بالمظهر الخارجي للمرأة أمرا هاما ومطلوبا، ولكن لا يشغلها ذلك عن العناية بالقيمة الحقيقيَّة للمرأة عبر ما تمتلكه من فكرٍ ووعي، إذ انَّ ذلك هو الجمال الحقيقيّ الذي ينبغي أن يخرج من خلف روحها ليجعل منها صورةً حقيقيَّةً لمفهوم المرأة العصريَّة المُتحضِّرة والواعية، ويحقُّ لنا هُنا أن نسأل، هل نظرة التسطيح للشكل لدى بعض النساء يُعدُّ النموذج الأفضل لتُقدِّم نفسها أمام الآخرين؟.

نماذج مُشرِّفة

وأوضح «د.عبدالرحمن العناد» -أستاذ الإعلام، ومهتم بالشأن العام وحقوق الإنسان- أنَّ المرأة وصلت إلى مرحلةٍ كبيرةٍ من النضج والوعي؛ نتيجة الوعي العام والتعليم، مُضيفاً أنَّه لا يزال في المجتمع من يهتم كثيراً بمظهرها الخارجيّ، مُوضحاً أنَّ الاهتمام بالمظهر الخارجيّ قد يفوق أحياناً الاهتمام بالجوهر والفكر ودرجة التعليم، مشيراً إلى أنَّ السبب في الاهتمام بالمظهر بشكل قد يطغى على الاهتمام بالفكر يكمن في توقُّعات النَّاس وانشغالهم بما يقوله الآخرون عنهم، بيد أنَّ ذلك لا ينفي وجود نماذج مُشرِّفة من النساء من المُهتمات بالفكر والوعي والثقافة وتنمية الذات. وأضاف أنَّ هناك من الرجال من يبحث عن المرأة الأكثر فكراً ووعياً وفهماً، بيد أنَّه يوجد في مقابل ذلك من يهتم بالمظهر الخارجي للمرأة عند تقييمه لها، فكلا النموذجين موجودٌ في المجتمع، ومع ذلك فإنَّ التطوّر الهائل الذي طرأ على وسائل الإعلام، إلى جانب انتشار تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في المجتمع، أدَّى إلى وجود وعي بأهميَّة المرأة التي تُقدِّم نفسها عبر فكرها ووعيها، مُشيراً إلى أنَّ هذا النموذج من النساء هو ما يُفضِّله مُعظم الرجال، مُبيِّناً أنَّ المرأة الواعية المُختلفة هي التي لا تضع مظهرها الخارجي المعيار الوحيد لتقديم ذاتها لمجتمعها، وإنَّما التي تستطيع أن تكون ناجحة في عملها وناجحة في تعليمها وناجحة في تقديم نفسها بشكل جيد ومُشرِّف. وأشار إلى أنَّ على المرأة أن تلعب دوراً كبيراً فيما يتعلَّق بما يتوقَّعه المُجتمع منها وما يمكن أن تُقدّمه لأُسرتها كأمّ وغير ذلك من الأدوار الأُخرى، مُضيفاً أنَّنا إذا رغبنا أن نُغيَّر المرأة لتتحوَّل إلى امرأة واعية ومختلفة في فكرها بعيداً عن التسطيح، فإنَّه ينبغي أن تتضافر جهود المدرسة والبيت والمجتمع لخلق مثل هذا النموذج المُشرِّف، لافتاً إلى نظرة العديد من أفراد المجتمع للمرأة –للأسف- لا تزال نظرةً قاصرة، كما أنَّ التوقُّعات المرجوَّة منها لا تزال محدودة في أذهان هؤلاء، مؤكِّداً على أنَّه ينبغي أن نطمح في أن تكون جميع نساء المجتمع عبارة عن نماذج مختلفة تتمتَّع بالفكر الواعي بعيداً عن التسطيح.

موروث ثقافي

ولفتت «منال الصومالي» -أخصائية اجتماعية بمستشفى الملك فهد بجدة- إلى أنَّ مفهوم الجمال أصبح متأثِّراً بالمُحاكاة المُرتبطة بالإعلانات والجمال القائم على الشكل والمظهر الخارجي وارتباط ذلك بالضعف في تنمية الذات، مُشيرةً إلى أنَّ تنمية الذات تبدأ منذ التربية الاجتماعيَّة الأولى، فكثيراً ما نسمع بعض الشعارات التي تُردَّد حتى في الأساليب الدعائيَّة تُعمِّق من مفهوم الجمال الشكلي أكثر من الفكري، ومن ذلك «جمال المرأة في شعرها» أو «جمال المرأة في ثيابها»، لافتةً إلى أنَّ جميع المفاهيم تُغذِّي هذا الجانب، مُوضحةً أنَّ الصخب الإعلاميّ بات يُسوِّق للجمال الذي لا يظهر إلاَّ عبر صيحات الماركات العالميَّة والمُحاكاة التي تأتي في أصلها من موروث ثقافي لدينا في المجتمع.

وقالت إنَّ هناك العديد من الأقوال الموروثة التي تُعمِّق من ثقافة أنَّ جمال المرأة ومظهرها الخارجيّ أهم من فكرها، ومن ذلك المقولة الشهيرة لحكيم حينما سئل:»أيُّهما تختار المرأة الذكية أم المرأة الجميلة؟، فقال: المرأة الجميلة، فالمرأة الذكيَّة أستطيع مقابلتها في أيّ مكان، بينما الجميلة هي التي أُريد أن أعيش معها»، ومن هُنا فإنَّ الموروث الثقافي مرتبط بجانب مظهر المرأة أهم من فكرها، مُشيرةً إلى أنَّ الاهتمام بالجمال في المرأة أمر مطلوب، بيد أنَّه لا يجب أن يطغى على تفكيرها واهتمامها بتنمية الجانب الفكريّ والثقافيّ لديها، لافتةً إلى وجود نساء منحهنَّ الله -عزَّ وجلّ- الجمال والفكر معاً، فلديها المهارات الفكرية والمحافظة على القيم والأخلاق وفي ذات الوقت تتمتع بالجمال والتأنُّق.

وأضافت أنَّ التنشئة الاجتماعيَّة لها الدور الأكبر في إظهار المرأة المُسطَّحة أو المرأة الواعية، مُضيفةً أنَّ للموروث الثقافي للأسرة دورا كبيرا أيضاً في إظهار نموذج الفتاة في المحصلة الأخيرة، مُشيرةً إلى أنَّ بعض الأُسر -للأسف- تعتبر ظهور الفتاة بشكل مبالغ فيه من الاهتمام بالمظهر الخارجيّ في الأماكن العامة وإبراز زينتها بشكل مُلفت هو النموذج العصريّ الذي لا بُدَّ أن تكون عليه، مُوضحةً أنَّ ذلك لم يعد في محيط الأسرة فقط بل حتَّى على مستوى المدرسة، إذ تعمَّق هذا المفهوم بشكلٍ أو بآخر، لافتةً إلى أنَّ مفهوم العصريَّة والتحضُّر يُركِّز على المظهر الخارجي لدى المرأة، فالمرأة أصبحت تُبالغ في مظهرها بالاعتماد على الماركات العالمية والهوس في ارتداء كل أشكال الثياب المُتكلفة، في الوقت الذي يختلف فيه نموذج المرأة العصرية في الخارج عمَّا هو عليه لدينا، إذ تعتمد على إظهار شكلها الظاهريّ ببساطةٍ شديدةٍ.

لا نزال نردد موروث أحب «المرأة الجميلة» التي أعيش معها ولا أحب «الذكية» التي أراها في كل مكان

وأشارت إلى أن للإعلام دورا كبيرا في تغذية المرأة بمفاهيم مغلوطة عن معنى التحضُّر والتميُّز كامرأة، فهو يُقدِّم المرأة على أنَّها جسد للجمال يُستهلك أكثر من التركيز على الفكر والجانب المعرفي والثقافي بشكله الحقيقي، بحيث تتمكَّن المرأة من أداء الدور المُناط إليها في المجتمع، مُضيفةً أنَّ التسويق الإعلامي لمفهوم الجمال لدى المرأة انعكس حتَّى على الرجل الذي أصبح ينظر للجمال عبر نموذج المرأة التي تُقدَّم عبر وسائل الإعلام فقط، مُشيرةً إلى أنَّ المرأة أصبحت تُركِّز على القشور؛ لتُعجب الرجل، كما أنَّ الرجل أصبح يبحث عن الجمال الذي طُبع في مُخيّلته عن طريق وسائل الإعلام لنموذج المرأة الجميلة التي تعتمد على إظهار الشكل الخارجي فحسب، مؤكِّدةً على أنَّ المحاكاة هنا هي لإغراء الرجل، لافتةً إلى أنَّ الفكر هو من ينتصر في النهاية، فما يُقدِّمه الرجل أو المرأة يُقيَّم من خلال الفكر.

انفتاح إعلامي

وقالت «د.سهيلة زين العابدين حمَّاد» -ناشطة حقوقيَّة واجتماعيَّة-:»الجمال والاهتمام بالمظهر الخارجي أمر مطلوب وجيِّد، وهناك العديد من الفتيات اللاتي أصبحن مُثقَّفات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والانفتاح الإعلامي الذي طرأ على المجتمع»، مُضيفةً أنَّ الفتاة أصبحت تعرف كل شيء، حتَّى أنَّ المناهج الدراسيَّة لم يعد بمقدورها أن تُلاحق التطوّر الكبير في العالم، فالفتاة الآن أصبحت تعي كل ذلك، ولذلك حينما نلتقي بالجامعيات أو من تتقدَّم لطلب عمل نجد أنَّ الكثير منهنَّ لديهنَّ الفكر والثقافة بشكل كبير، فلم تعد الفتاة مُسطَّحة كما كانت في السابق.

وأضافت أنَّ العديد من الفتيات اختلف التفكير لديهنَّ عن السابق، مشيرةً إلى تجربتها قبل سنوات طويلة حينما كانت تُعدُّ مقابلات شخصيَّة مع خريجات جامعيات، إذ كانت تلاحظ أنَّ مستواهنَّ الفكري ضعيف جداً، حيث انَّ منهنَّ من تفتقر إلى المعرفة بما يجري حولها، أمَّا الآن فقد اختلف الوضع تماماً وأصبحت الفتيات يعلمن الكثير، ورُبَّما وُجد هناك نسبة قليلة من النوع المُسطَّح والمُستهتر، مُشدِّدةً على ضرورة أن يكون هناك اهتمامٌ بالتعليم، بحيث يخلق ذلك النموذج الواعي والمثقف من النساء، مُوضحةً أنَّ العمليَّة التعليميَّة في مدارسنا بها خللٌ كبير، إذ أنَّها تعتمد على التلقين والحفظ لا على الإبداع، كما أنَّ المناهج لا تلاحق التطوُّر العصريّ الذي أصبح يتسارع بشكلٍ كبير. وأشارت إلى أنَّ المرأة العصرية هي التي تعيش عصرها بمبادئها وقيمها، ولا تنفصل عنه فترفض ما يتوافق مع هذا العصر من مُعطيات واحتياجات تحتاجها المرأة، مُضيفةً أنَّ هناك العديد من النساء مِمَّن يرفضن التوافق مع العصر الحديث بالتشبُّث ببعض العادات القديمة، مُوضحةً أنَّ المرأة المُتحضِّرة هي التي لديها العُمق الحضاريّ الذي يجعلها تعي ما حولها وتعتني بدينها الذي تؤمن به وتعلم واجباتها وحقوقها وحقوق الآخرين وواجباتهم وتعرف مالها وما عليها ولديها المعرفة بما يحدث بالعالم وتُلمّ بالأمور السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية وتقاليد المجتمعات، لافتةً إلى أنَّ المرأة الواعية تستطيع التعامل مع الآخرين وتعرف كيف تُقدِّم نفسها عبر فكرها، وتُدرك كل التفاصيل عن الأحداث المُتعلِّقة ببلدها والعالم.


د. عبدالرحمن العناد

د. سهيلة زين العابدين