عُرضت قبل أيام مجموعة من الأخبار التي تتناول أيام منع الدشوش. عندما جاء الدش، سبب أزمة اجتماعية غير مسبوقة حينها. عشرات الأشرطة والمطويات والكتب تتناول "البث المباشر" والذي ربط بالأخطار والفسق والعصيان. بعض المحتسبين اشتروا بندقيات صغيرة لضرب كل صحنٍ غرس في أي سطح. في كل مدن السعودية قُصفت الكثير من هذه الصحون. فقط ضع كلمة "خطر البث المباشر" بأي محرك بحث ستكتشف أننا كنا في حالٍ يرثى لها من الرعب غير المبرر. أصبح الآن أولئك المحذرون المنذرون يمتلك كل واحدٍ منهم قناةً خاصة به، والذي لا يمتلك قناة له برنامج، سواء في قناة إسلامية، أو قناة أخرى لبنانية تبث أخبار الموضة وبرامج الهواة والمتسابقين، والحفلات الغنائية. زال الخطر، فجأة، نمنا على خطر، ومن ثم صحونا على طمأنينة وسكون!

وما إن تأقلمنا مع الدشوش، والصحون القاتلة، إلا وجاءت أزمة أخرى، هي أزمة "كاميرا الجوال" و "البلوتوث" وحينها ضجّت الأحاديث المحذّرة والمنفرة، وتم وضع نقاط لتفتيش من لديه هذا الجهاز، الآن قرر الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدم تفتيش الجوالات. بل إن بعض الخطباء يقرأ خطبته من "الآيباد" الآن، والبعض الآخر يستخدم "أبلكيشن القرآن" للقراءة بالمأمومين في صلاة التراويح والقيام. زال الخطر أيضاً كما نرى، وطويت صفحة "الباندا" وسواها من الأجهزة الخطيرة التي كانت تفسد المجتمع وفجأةً أصبحت صديقة للجميع، ولا يختلف عليها اثنان، ولا تنتطح عليها عنزان، كما يقال.

ولو رجعنا إلى الأمور التي حرّمت ثم أصبحت مألوفة، لوجدنا أن بعض الأشياء العادية حرّمت لفترة، خذ مثلاً:"الملاعق، القهوة، تعليم البنات، الراديو، التلفزيون، الفيديو، البيكمون، الكاميرا"، كلها تعرّضت للتحريم، لكن أصبحت حلالاً بشكلٍ مفاجئ، ولنقرأ ما كتبه الناقد الدكتور سعيد السريحي في كتابه:" غواية الاسم سيرة القهوة وخطاب التحريم" وهو كتاب رائع يحكي قصتنا مع التحريم وبخاصةٍ في مجال "القهوة".

بآخر السطر، سنكتشف أننا بعد التحريم نعود إلى مربع الإباحة الذي هو الأصل في الأشياء، فلا تضيقوا واسعاً، فجلّ الذي حرم من قبل يتنافس عليه من حرّمه، من تعليم البنات إلى "الدشوش"، فهل من مدّكر؟!