بالتأكيد، فإن للمناسبات الكبرى والتجمعات الفريدة أثرها الثقافي والاجتماعي. وقد خلق الحج من الحجاز موطناً للتعددية الثقافية والعرقية، بفعل اختيار الكثير من الحجاج على مدى تاريخ البيت العتيق، جوار هذا البيت الذي تهفو إليه النفوس.

وإذا أخذنا مدينة جدة نموذجا سوسيولوجيا للدلالة على الفاعلية الاجتماعية والتعددية سنجدها سبّاقة في احتضان العديد من الجنسيات المختلفة والمتنوعة، وهي بحق مدينة اطلعت على العالم، فأخذ منها وأخذت منه، فهي المدينة التي يفد عبرها ملايين الزوار سنوياً، وهي بوابة مكة الكبرى. ولولا العقوق الذي واجهتْه هذه المدينة من قبل الخدمات والغرق ببعض حالات التعثر في المشاريع لكانت من أهم المدن في المنطقة على الإطلاق. هذا التلاقح بين جدة وبين الزوار والثقافات أدّى إلى رسم التنويع الذي نرى أثره الآن. غير أن هذا لا يعني عدم اختلاط بقية مناطق المملكة بالعالم، فمثلاً نجد التمازج والانفتاح الذي سببه البترول وشركاته على أهل المنطقة الشرقية، وكذلك التوسع في معرفة العوالم من خلال رحلات «العقيلات» في القصيم مثلا.

ما يمكن أن نؤكد عليه بهذه المناسبة، أن الحج حالة عولميّة، ولو رأينا اهتمام وسائل الإعلام العالمي به، وتنافس المصوّرين لالتقاط أبرع الصور لعلمنا أننا يمكن أن نحوّل الحج إلى مجال ثقافي بامتياز، يرسم التعددية ويؤسس لها. يفد ملايين الناس إلى بقعةٍ صغيرة من أجل ممارسة الشعائر، السؤال: كيف يرانا هؤلاء؟ وهل استثمرنا سياحياً وثقافياً هذا الموسم بالشكل اللائق؟! 

نعرف أن الحج يفد إليه المسلمون من كل العالم، من شرائح مختلفة، ومن ثقافات مختلفة، يمكننا أن ندرس مدى انتشار التطرف مثلاً عبر استبانات، وممكن أيضاً أخذ عينات من الكتب المتداولة، ومن المنشورات المصطحبة مع البعثات، وأن نقوم بدراسات عديدة لفهم طبيعة التحول الذي تشهده الشرائح المسلمة في مختلف أنحاء العالم، حينها يمكننا أن ندرس الفرق بين الإسلام البوسني المنفتح المعولم، والإسلام الباكستاني مثلاً، وهو ما يعطينا مؤشرات عن العلل والأسباب، ويعطينا قياساً لفهم الحالة الإسلامية وتحولاتها وأنسجة ثقافاتها.

بآخر السطر، لننظر إلى المدن التي تستضيف كأس العالم كيف تستنفر مراكزها ودراساتها وإحصاءاتها، لتكون محرضاً لنا لمزيد من الدراسات التي ستكون مصدرا للثراء الفكري والفهم الثقافي والمعرفي لأكثر من مليار مسلم، يصلنا منهم مليونا سفير سنوياً!