مررتُ على عبارةٍ كتبها أحدهم قال فيها:"لا تثق بمن لا يبرّ بوالديه"، ليست المسألة ثقة أو عدمها. عمق العبارة في وضع البر ضمن أصدق الصدق. في ردّ شخص من الإسلاميين على ليبرالي قال له أنا أحبّك لأنك بار بأمك. البر يسحر القلوب والعقول، ويشغف الألباب، والصورة التي تم تداولها ويظهر فيها معتمر باكستاني يغطي رأس والده بالإحرام عن الشمس بينما والده منهمكٌ في الصلاة والدعاء، تسلب الألباب.

هذه المشاهد تجعلنا أقرب إلى إنسانيتنا الحقيقية، وتجعلنا نؤمن أننا لا نزال بخير. في ظل انتشار المشاهد الكئيبة والرعب والقتل، وفي ظل انتشار محاكمة الأخ لأخيه، وتهاجر الأقرباء، نرى نماذج البر فنفرح بها، لأنها تحيي الأرض بعد موتها.

البر بالوالدين، والتقدير لهما، وأخذ الرضا منهما شرط حقيقي لأن نكون أصفياء ومتصالحين مع الناس والوجود، ولنكون أكثر صدقاً وشفافيةً. والبر ليس موضوعاً دينياً فقط، ولا يفعله الإنسان من باب الرهبة أو الرغبة فقط، بل من باب الإنسانية والفطرة السوية. من يبر بوالديه يشعر بسعادةٍ غامرةٍ لا توصف. وبخاصةٍ الأم والتي تحتاج إلى من يساعدها ويعضدها ويسير على أمورها ويشرف على حاجاتها أكثر من الأب الذي غالباً ما يكون قادراً على إنجاز أموره بنفسه في ظلّ مجتمعٍ لا مكان للمرأة فيه، ولا مكان لها في تدبير أمورها كما يجب، من هنا يكون البر بالوالدين أساس أي صدق، ومعنى أي رقي، وآية كل نقاء.

لا نستطيع مثلاً أن نستوعب أي أحدٍ قد عادى والديه أو اختلف معهما أو هجرهما، فطرياً لا نستطيع التعامل مع مثل هذه النماذج. هل تتخيل أن تكون صديقاً لمن هجر أمه؟!، هذه هي الفكرة أن فطرتنا تأبى مثل هذه الحالات وأنّى لنا أن نستوعبها أو نقبلها.

أعلم أن البعض ربما يعاني من التهميش أو تفضيل إخوته أو أحدهم عليه، أو بعض التمييز، لكن هذا لا يعني أبداً إيجاد تبريرٍ لترك البرّ بالأبوين اللذين يريدان للإنسان الخير ويبثان له الود والانشراح ويرجوان له الخير.

  • بآخر السطر، البر بالأبوين عنوان الصدق، والصور التي نشاهدها أو نطلع عليها بين فترةٍ وأخرى هي عفوية بين الابن ووالديه أو أحدهما، البر جنة وحب ووفاء وإخلاص، بل هو قمة الإخلاص..