لا شك أن من أزمات مجتمعنا، أن يتحول النقاش، عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من نقاش عن أسلوب الهيئة إلى نقاش عن وجودها.

فقد فتحت قضية ملاحقة سيارة الهيئة لشابين محتفلين باليوم الوطني إلى انقلاب سيارتهما، ووفاة الأول، وإصابة الثاني إصابة خطرة، وهو ما جعل البعض يُعيد مطالباته بإلغاء الهيئة.

والحقيقة أن معظم الحوارات التي تتم بيننا، تتحول إلى موجة ضمن الموجات العاتية  لصراع التيارات الذي ما أن يخفت قليلاً حتى تستثيره قضية حياتية جديدة، فيعود ليشرق من جديد بعد أن أفل!

خذ على سبيل المثال، دعوة سعوديات لقيادة المرأة، واختيار يوم ضمن نهايات هذا الشهر، ليكون يوماً للحصول على حقهن بقيادة السيارة، وما جلبه هذا النقاش من جلبة، كان أبرزها تصريح مستشار قضائي بأن قيادة المرأة للسيارة تؤثر في مبايضها!

الكثير من هذه النقاشات، ولأكون أكثر منطقية، فالحق أن الكثير ممن يتناقشون في هذه الحالات، يتبعون منهج التقعيد، ثم البحث عن أدلة تسند هذا التقعيد، وهو منهج معاكس لمنهج اتخاذ الأدلة وسيلة موصلة إلى القاعدة التي نتوصل إليها.

في المنهج الأول يتلفت المُناقش يميناً ويساراً ليبحث عمن يعتبرهم أنصاراً له فيتخندق معهم، وكأنه يقول: أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب. ويبحث عن خصومه، فإذا أبصر أحدهم شهر أسلحته في وجهه، حتى قبل أن يستبين قوله أو حجته، وربما كان لسان حاله يردد:

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشُد غزية أرشد

الصراع الفكري، تاريخياً، هو إحدى مراحل تشكيل المجتمعات بأفكارها، ورؤاها. لكنه كان يدور في أروقة النخب، ثم ينتقل ما يستقر إليه الخاصة إلى العامة. بات الصراعُ اليوم، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، ووقوعها في أيدي الجميع، صراعاً يُشارك فيه الجميع.

أعلم أن تشكيل النخب والعامة تغير كثيراً بفعل التطور التقني، وانتشار وسائل الإعلام، وذيوع (تويتر)، و(فيسبوك) وأشباههما، وهذا وإن حمل محملاً إيجابياً في وجه من الوجوه، إلا أنه يرهق المجتمع كله من هذا الصريخ..

ولعلكم شاهدتم المقطع الذي تقابل فيه مذيعة مصرية رجلاً يسأل إحدى المظاهرات عن توجهها، فقال لها: مين دول؟ ودول مين، وإحنا مين؟ أنا تعبااان..

لقد ملّ هذا الرجل البسيط في مصر، وملّ كثيرون مثله، وأشهد أن العبد الفقير إلى الله كاتب هذه السطور ملّ مثلهم!