تحرص المحطات الفضائية خلال شهر رمضان على البرمج والمسلسلات الرمضانية والمنوعات الفنية لإرضاء المشاهد الذي عادة ما يركن لمشاهدة التلفزيون خلال هذه الفترة، وتستهدف الفضائيات المشاهد والمعلن معاً بأعمال متنوعة فيها الصالح وفيها الطالح، إلا أن الغالب على هذه الأعمال هو حرصها على التسلية والفكاهة والمرح والتي قد تصل إلى حد التهريج أحياناً، ونادراً ما تجد برنامجاً جاداً وهادفاً يتفق عليه الجميع من حيث الفكرة والمضمون، ويستدعي حواسك وانتباهك لأهمية محتواه، ولكن في ظل هذه التخمة الرمضانية التلفزيونية نجد الاستثناء هذا العام في برنامج «خواطر9 « الذي يعده ويقدمه الإعلامي السعودي أحمد الشقيري الذي يبث من خلال شاشة MBC1 تحت عنوان «ألا يتفكرون» وتنقله عدة محطات أخرى نظراً لأهميته وقدرته على شد المشاهدين بطريقة مشوقة ومحببة ومؤثرة ومفيدة.

يقدم المذيع أحمد الشقيري هذا البرنامج قبيل الفطور كمادة تلفزيونية لا أشهى ولا أفضل منها، بتناول متميز ذكي مدروس جيداً وقادر على اختراق ذائقة وعقل المشاهد فهو يهتم بالفكر والوعي والحكمة والعقل والموعظة ولا سيما في مجال التوعية والتنمية وثقافة المجتمع في التنظيم الحكومي والتطويرالعقلي والخدمات الإنسانية المميزة في مجال العلوم والصناعات وغيرها، لقد أدهشتنا خواطر الشقيري وما يحمله هذا البرنامج من مقارنات بين أحوال الدول العربية والإسلامية والبلدان الرائدة التي سبقتنا في التطور.

يتفق كل المشاهدين من كل الجنسيات والأعمار على جدوى وأهمية وفائدة ونفع هذا البرنامج التوعوي المؤثر الناجح، إلا أن المفارقة التي تفرض نفسها هنا هي: لماذا نحن في الدول العربية نغرق كل يوم أكثر في متاهات التخلف ونتراجع دائماً إلى الصفوف الخلفية بين الأمم، أليس غريباً أن يكون هذا هو حالنا ونحن أبناء وحملة راية "النظافة من الإيمان" على سبيل المثال. لقد ذهب الشقيري إلى بلدان بعيدة ليعرض لنا مهاراتها واهتمام مواطنيها بالنظام والنظافة بينما تنتهك في البلاد العربية كل أهمية للزمن وكأننا نعيش خارج التاريخ.

يعرض الشقيري في برنامجه الهادف ما يؤكد أن العمل ليس عيباً مهما كان نوعه طالما أنه عمل شريف، وفي حلقة أخرى يخبرنا أن صاحب التاكسي يفخر به أبناؤه لأنه يحمل شهادة وثقافة واسعة ومعلومات مذهلة عن البلد الذي يعمل فيه بينما نحن نخجل من هذه المهنة. كما يذهب إلى الدول المصدرة للأبقار ليكتشف أنها منعت تصديرها إلى إحدى الدول العربية بحجة تعاملها السيئ مع الحيوان!. ويعرض لنا مقاطع فيديو تثير الاشمئزاز لطريقة ذبح الحيوانات في إحدى الدول العربية.

شاهدنا في هذا البرنامج الرائع عدداً كبيراً من الشباب الذين يسعون بالكد والجهد والعمل المضني للحصول على وظيفة محترمة وذلك بغية تقديم خدمة لأوطانهم وعائلاتهم، لسبب واحد وهو احترام الإنسان لنفسه وتقديس العمل مهما كان صغيراً، وخلال تجولنا مع الشقيري شاهدنا الكثير من المهارات والإبداعات والتقاط الأفكار الصالحة التي تخدم الأوطان وتمثل وعي وثقافة الشعوب الحية، وذلك من خلال هذا الإعلامي المبدع عبر خواطره التي تشعرنا بأننا مقصرون جداً في حق ديننا وأوطاننا ومجتمعاتنا، وإذا أردنا أن نقول شيئاً في هذا البرنامج فإن جميع المشاهدين حيوه وأثنوا على فكرته وإعداده وتقديمه، فكم نحن بحاجة إلى الكثير من الخواطر والتساؤلات علنا نجد الأجوبة المنطقية لتجاوز ما تعانيه الدول العربية من ضعف في الخدمات.

لقد استطاع الإعلامي أحمد الشقيري أن يعد ويقدم عملاً ناجحاً توعوياً محترفاً، ويصنف هذا الرجل من ضمن الأفراد المؤثرين في العالم من خلال برنامجه "خواطر" الذي نشاهده يومياً في شهر رمضان منذ سنوات.

نحن العرب لدينا ما يؤهلنا لكي نكون كاليابان مثلاً، علينا أن نولي الطرق اهتماماً لدرجة تخصيص سيارات تتتبع أماكن الحفر الصغيرة في طرقاتنا المعبدة، أو أن نجعل فاصل الحدود بين دولنا مجرد (بلاطتين) تشير إحداهما لهذا البلد، والأخرى تشير للبلد الآخر، كما هو حاصل بين فرنسا وسويسرا، وبين بلجيكا وهولندا وغيرها من دول أوروبا، لأن الثقة تكاد تكون معدومة بين العرب.

لا يختلف الكثيرون حول الدور الذي يلعبه الإعلامي أحمد الشقيري من خلال برنامجه الرمضاني الذي استطاع أن يزيح القناع عن كثير من العادات والممارسات غير المرغوب فيها في هذا العصر. يبدأ الشقيري في رؤيته من خلال ما يعيشه الآخر وما وصل إليه من تطور ليقول لنا إن كل ذلك موجود في كتاب الله والفكر الإسلامي المبني على التدبر والفعل والإرادة القادرة على البناء والإضافة، ولعل ما يشد الانتباه أكثر في "خواطر 9" هو هذه الدعوة الصريحة للتفكر والبحث عن آليات أخرى للارتقاء في سلم البناء الحضاري.