عرفته في المدينة المنورة عندما كنت في آخر مراحل دراستي الثانوية وقبل عام من ذهابي إلى مكّة المكرّمة للالتحاق بتحضير البعثات. كنا نذاكر حتى ساعة متأخرة بعد العشاء تحت الأنوار الساطعة في «حصباء» باحة الحرم النبوي الشريف. وكنا نتبادل أطراف الحديث في علوم الشريعة والأدب العربي، وحتى في قواعد اللغة الانجليزية.
لم أر في حياتي من طلبة العلم من لا يعتبر الدراسة حملاً ثقيلاً وعملاً شاقاً يتمنى أن ينجزه بسلام ليحصل على «الشهادة الدراسية»، أياً كان نوعها حسب المرحلة التي هو فيها.
غير أني وجدت لهذه القاعدة استثناءين: الاستثناء الأول وجدته في الشيخ صالح، تغمّده الله في رحمته، وأما الاستثناء الثاني فهو في الدكتور أحمد محمد علي حفظه الله ورعاه وأطال في عمره، وهو شخصية وطنية أخرى نعتز ونفتخر بها.
وفي مصاحبتي لكليهما اكتشفت الإنسان الذي ينظر للدراسة بمنظار آخر ولا يعتبر التحصيل إبتلاءاً ولا الامتحانات وحشاً مخيفاً بل يقبل على الدراسة بدون تشنج وبدون اللهفة على تخزين المعلومات ومحاولة ربطها بالتكرار وعدم إعطاء نفسه فرصة للراحة النفسية أو البدنية. إن هذا النوع من الناس يتمتعون بما يقرأون من خلال الفهم والاستيعاب. يقرأ أحدهم معادلات الرياضة أو الجبر أو قواعد اللغة العربية أو الأجنبية، كما يقرأ أحدنا القصة القصيرة: هكذا بلا تشنج ولا خوف بل باسترخاء شديد وشعور باللذة والارتياح.
لقد جمع الشيخ صالح بين الثقافة الإسلامية والعربية واستوعب ما يدرسه الحقوقيون في سنوات أقلها أربع في أقل من عام، وطار كما تطير النحلة لجمع الرحيق إلى باريس فتعلم اللغة الفرنسية، بوصفها لغة القانون المدني، في بضعة أشهر ليضيفها إلى معرفته باللغة الانجليزية. فرجع من رحلته وهو يقرأ صحيفة (لو موند)، وأي مرجع من مراجع القانون المدني.
أتى لوزارة المالية ليعمل كرئيس لإدارتها القانونية فبهرالمسؤولين فقد دمج معلوماته ليأخذ من القانون ما لا يخالف أصول الشريعة وليكسر لأول مرة جدار الخوف من «القانون». وبدأ محاضراته في معهد الإدارة فكان أستاذاً لفريقين من «الحقوقيين». حاول – ولأول مرة – تأصيل «لتشريعات» السعودية وترتيبها من حيث مصدرها وتسلسلها من حيث القوة، ففرّق بين «النظام» وقارنه ب «القانون»و«قرار مجلس الوزراء» و«الأمر الملكي» و« الأمر السامي » الذي يصدر عن الملك بصفته رئيساً لمجلس الوزراء.
ثم عهد إليه إعداد مشروع النظام الأساسي للحكم فعكف على إعداده لسنوات طوال تخللها كثير من المراجعات من لجان وجهات أخذت وقتاً طويلاً في دراسة وإبداء مرئياتها في هذا المشروع ولكن هذه المرئيات لم تجد في المشروع ما يؤثر على صلبه. فصدر «النظام الأساسي» ليكون الجزء المكتوب لدولة حديثة دستورها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وأثناء كل ذلك كان الشيخ صالح – يرحمه الله – يتنقل حيثما أتيح له ذلك من مؤسسة حكومية إلى أخرى فيساعد في جعلها منسجمة مع الهيكل العام للدولة.
ولم يكن كل ذلك ليمنعه من المساهمة على نطاق واسع في المؤتمرات الدولية والمحلية المتعلقة بالثقافة الإسلامية والدولة الإسلامية قديماً وحديثاً، فكان نجماً ساطعاً يفخر به المسلمون والعرب. إذا أصغيت إليه وهو يحاضر تشعر وكأنه يتحدث إليك وحدك، وهي ميزة لا يتمتع بها سوى القليلين. وتجد نفسك مرتاحاً لحديثه منسجماً مع ما يسوقه من أمثلة ومعلومات قد تسمعها لأول مرة.
وأذكر أني دعيت إلى حفل كان موضوعه كتاب نشره الدكتور محمد بن عبدالله السلومي – من أقرب تلامذة الشيخ ومريديه – عن المشاكل التي تعانيها جمعيات البر الإسلامية حول العالم فأعجبني قوله عن المسيح الدجال بأنه ليس عزيزاً على الله بأن يجعل المسيح الدجّال على هيئة إنسان أو جماعة من الناس أو حتى دولة يسلطها الله على البشر (الرواية بتصرف). وهي «لفتة» عرف الكثيرون مغزاها!!
لقد كان الشيخ صالح الحصيّن يرحمه الله بحقّ كنزا من المعرفة منح حياته كلها لخدمة هذا الوطن وتطوير مؤسسات الدولة ليسهل على المصلحين السير على طريق التطوير التدريجي مع الحفاظ على مقومات هذا الوطن الغالي وتقاليده الدينية والسياسية بعيداً عن الانفعالات والتشنجات.
وأما عن حياته الخاصة وتواضعه وبساطته فنكتفي بنقل ما كتب عنه في موقع (ويكيبيديا): « وفي المدينة المنورة طرقت الباب فإذا أنا أمام شقة لا يكاد يزورها وزير فكيف يسكنها؟! ها هو أمامي معالي الشيخ صالح الحصين الناصري التميمي وزير الدولة عضو مجلس الوزراء سابقاً. والآن: الرئيس العام لشؤون الحرمين الشريفين. والمسجد النبوي ورئيس اللقاء الوطني للحوار الفكري ورئيس الهيئة الشرعية لقناة المجد. دلائل البساطة واضحة في منزله، وفي إكرامه لضيفه بإصراره على تقديم القهوة بنفسه، ووراءه لوحة يبدو فيها نهر جار وحوله أشجار تبدو علامات التقشف على أغصانها الناحلة وأوراقها الشاحبة، فهي زاهدة في الارتواء من المياه المحيطة بها.
سأله المؤلف عن (حكايات الزهد والمعادلة الصعبة التي يقع كثير من الناس بين كماشة شطريها: كيف نجمع بين التحبب إلى الزهد ثم دعوة الله عباده إلى إظهار النعمة؟) يجيب صالح الحصين الناصري التميمي: «لا تعارض» لجلاء في التوازن بين هذا وذاك، وموجز ذلك ما قاله ابن تيمية عن زهد رسول الله: الشاكر لنعم ربه لا يرد موجوداً ولا يطلب مفقودا، وإذا كان لدى المرء رصيد ودخل كبير، فإن الرجل الرشيد يستهلك من أمواله ما يحتاج، ثم ينفق ما بقي لمستقبله الذي أمامه، ليس مستقبل الدنيا فحسب، بل الآخرة».
رحم الله الفقيد وتقبله فيمن عنده مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. وأخص بالعزاء أخويه الشيخ سعد ومعالي المهندس الأستاذ عبدالله وابنه الدكتور عبدالله صالح الحصيّن وصهره الصديق الفاضل الأستاذ عبدالعزيز بن راشد بن ابراهيم الراشد، والشعب السعودي والأمتين العربية والإسلامية في هذا الفقيد العظيم.


1
أمينة
2013-05-21 11:36:11رحم الله الفقيد وتقبله فيمن عنده مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين
2
أم رنا
2013-05-20 19:04:43السلام/ للأسف لم التق به ولكن أشعر أني أعرفه لكثر ما سمعت عنه من أفاضل القوم فاللهم ارحمه واجعل من سيرته نبراساً نهتدي به في ظلمات الجهل والفساد التي تحيط بنا
3
محمد
2013-05-20 17:40:28رحمك الله وعوض الأمة بمن هم من أمثالك.
4
ابا محمد
2013-05-20 14:45:41رحم الله هذا الرجل الذي لا اعرفه شخصياولكن أحبه في الله لتواضعه وزهده ونزاهته,كما أنني أسمع عنه الشئ الكثير من الفضائل والمزايا التي هي بمثابة قيم تدرس للاخرين.رحم الله ابا عبدالله واسكنه فسيح جناته ز