شباب اليوم أصبحوا على مسافة شاسعة من "أيام زمان" حين كانت تلفزيوناتنا لا تستقبل سوى محطة أرضية واحدة بالأسود والأبيض..

لا يتصورون كيف أنها - رغم تشويشها وضبابيتها وساعات بثها المحدودة - كانت تحظى بسحر وكاريزما لا تملكها القنوات الفضائية هذه الأيام.. كانت الوحيدة في الساحة وكان مجرد الظهور فيها يضمن لصاحبها شهرة كبيرة، وسمعة عظيمة، وانجازا لا يدانيه انجاز.. أذكر كيف ظهر خالي الصقعبي في "مضارب البادية" لأربع ثوانٍ فقط لم يقل خلالها شيئا؛ ومع هذا تداول الناس خبر ظهوره في القناة السعودية وكأنه مشى على سطح القمر - في حين تلثمت نساء الحارة خشية رؤيته لهن!!

ولكن الحال تغيرت منذ دخلت الدشات بيوتنا وشهدنا انفجارا هائلا ومتصاعدا في عدد القنوات الفضائية.. لا أعلم كم وصل عددها هذه الأيام ولكنني على ثقة بأن كل قمر نصطاده في الفضاء يضيف لتلفزيوناتنا آلاف المحطات الجديدة.. بدأت القنوات بالتكاثر والتفقيس بنسبة أسرع من تكاثر البشر أنفسهم على كوكب الأرض - لدرجة بدأت أخشى وصولنا في المستقبل الى معدل قناة لكل مواطن!!

وبسبب كثرتها الهائلة وساعات بثها المتواصلة، ارتفع احتمال ظهورنا بها، وأصبح من المعتاد اليوم رؤية شخص تعرفه على شاشة التلفزيون لأي سبب تافة - كأن يصطاده المذيع في أحد المولات ويطرح عليه سؤالا سخيفا مثل: إيش اسم أمك؟ أو مارأيك في عمل المرأة كاشيرة!؟

فالتلفزيون ببساطة تحول الى صناعة تنافسية شرسة تعتمد على جذب المشاهدة لأطول فترة ممكنة.. لم يعد صارما ومتخصصا (ولا حتى محترما) كما كان في السابق.. أصبح همه الأول ملء ساعات البث الطويلة فابتكر البرامج الواقعية واللقاءات العشوائية والمنافسات الشعبية وما لا يحتاج لتحضير مسبق. وهذا بحد ذاته رفع من احتمال ظهور المواطن العادي على شاشة التلفزيون ومنحه فرصة تحقيق الشهرة خلال حياته لخمس عشرة دقيقة على الأقل !!

.. وللأمانة؛ لست صاحب هذا التعبير (الذي عنونت به المقال) حيث ورد على لسان مذيع أمريكي ساخر يدعى أندي ويرهول قال عام 1968:

"في المستقبل يمكن لأي انسان أن يصبح مشهورا على مستوى العالم لمدة خمس عشرة دقيقة"!!

واليوم ؛ اقتربت نبوءة ويرهول من التحقق وأصبح بإمكان كل انسان الحصول على نصيبه الخاص من الشهرة بفضل عالمية، وتعددية، وشعبية وسائل البث الحديثة..

والأمر في الحقيقة لم يعد قاصرا على التلفزيون والمحطات الفضائية بل ساهمت الانترنت نفسها بإلغاء جبروت التلفزيون وإتاحة الفرصة لأي انسان لبث نفسه من خلال المواقع الاجتماعية والمدونات الخاصة ومقاطع اليوتيوب (والموقع الأخير بالذات يروج لنفسه تحت شعار "بُث نفسك" أو (Broadcast Yourself!!

برأيي الشخصي؛ في المستقبل القريب سيحظى كل مواطن بمدونة، وموقع، وقناتي تليتيوب (والأخيرة كلمة دمجتها من تلفزيون ويوتيوب لتوقعي اندماجهما مستقبلا بشكل كامل)!!

.. ولكن.. أتعرفون أين تكمن المفارقة؟

في حين سيرتفع احتمال شهرتك وظهورك على التلفزيون واليوتيوب، ستقل نسبة مشاهدتك بسبب ازدحام الانترنت وكثرة المحطات الفضائية!!

.. ولم نذهب للمستقبل؛ هذه الأيام، يمكن لمذيعي القناة السعودية الثانية أخذ دوش على الهواء مباشرة دون أن يشاهدهم أحد !!