القليل منا لا يعرف تلك الأغنية التي اشتهرت لفترة من الزمن وتُغنيها فيروز. لكن من يعرف سبب وجود "البوسطة" قليل. إلا أهل القرى اللبنانية أو من عاش في لبنان وعرف تعبيراته.

والكلمة تعني الحافلة العمومية المخصصة لنقل الركاب بالأجر بين المدن والقرى اللبنانية، وهي تُمثل فاتحة اجتماعية في حياتهم حتى الآن، بدليل استعمالها في اللهجة المحكية، وكذا في الأغاني الرائجة. ف (الكلمة) تدق بال مؤلفي الأغاني لصلتها بنبض الحياة اليومية.

أخذت اسمها من مفردة البريد (بوست) وهي لا تزال كذلك في مصر والشام. ومعروف عن البريد انتظامه وسرعته، بدءا من الخيول التي كانت تحمل البريد عبر محطات استراحة وتغيير الخيل لضمان وصول الرسائل والطرود. وتاريخ البريد معروف لمن أراد أن يتعمق في وعي الناس وارتباطهم في الخدمة. ولا يزال في إنجلترا يُوزّع ثلاث مرات يوميا، أو حسب حجم المدينة.

وانتظم البريد في المملكة العربية عبر سيارات تستأجرها وزارة المالية لحمل بريد الحكومة أولا والأهالي ثانيا، وبعض الركاب الراحلين على حسابهم الخاص أو على حساب الدولة. والقصد من هذا هو أن كلمة "البريد" تعني الحافلة الجيدة السريعة والمصانة والمجهزة بطاقم القيادة والخدمة الهندسية، فكانت كلمة البريد مساوية للسرعة والدقة.

من هنا جاءت الكلمة (البوسطة) إلى حياة الناس في مصر والشام. ولكن لماذا "هدير البوسطة؟"، وفي ظني أن "الهدير" مرتبط بالوعورة الجبلية، فالحافلة أو "خط البلدة " أو الأتوبيس أو الباص تميّز عن غيره بأن هديره مسموع يسمعه أهل القرى عندما يُقبل على قريتهم.

وكانت الحكومة السعودية تعتمد شركة معينة لتقوم بالمهمات في إيصال البريد عبر طرق وعرة لتخدم أجزاء المملكة. ويصل البريد إلى القرى ويترك في دكان! يملكه فاعل خير أو متبرع ويستلم المرسل إليه ما يخصه من رسائل له أو لمن يعرف أصحابها من الأسر.

وأقول إن "هدير البوسطة" التي غردت بها فيروز، ما هي إلا صورة توحي بأن البريد امتاز بالركض (يهدر) ليضمن وصول ركابه وما يحمل من صلات.

وفي نجد اعتمدوا أيضا مفردة "الوصل" وهو إرسالية تحمل هدايا من قماش أو سكريات أو ما قد يحتاجه أهل المُرْسِل.