هناك شخصيات تعددت مواهبها وإبداعها الفني والأدبي والفكري والعلمي فهي متنوعة الفنون مختلفة المواهب في زمن كانت الإمكانيات المادية محددة جداً وشحيحة ومع ذلك نجد أن هذه الشخصية الموهوبة قد كافحت وصارعت التحديات والصعوبات والعوائق وأثبتت بكل جدارة وقوة اجتياز هذه العقبات وسخرت كل ما أتيح لها من مواهب في خدمة الأدب والفن والفكر ومن هؤلاء المبدعين الأستاذ والشاعر والراوية والفنان التشكيلي عبد الله بن علي الزامل رحمه الله تعالى الذي كانت له إسهامات وإعلامية متعددة العطاءات فقد دخل عالم الإعلام منذ وقت مبكر جداً.

لقد سخر الزامل رحمه الله تعالى إمكاناته بالإذاعة على الخصوص عندما كانت تبث من جدة. فلقد كان يعد برنامج البادية ولم يكتف رحمه الله بذلك بل جعل من منزله الخاص استديوهات لعقد اللقاءات مع الموهوبين من أبناء الوطن فقد كان بحق يتبنى ذوي الإبداعات والمواهب الفذة ويشجعهم ويدعمهم بإسداء النصائح والتوجيهات وينفق من ماله الخاص متكبداً كل هذا من أجل الإرث الشعبي الذي أحبه الزامل بكل ما تعنيه هذه الكلمة وتفانيه في التضحية من أجله واسترخص كل غال ونفيس من أجل الموروث الشعبي والمتحفي والتشكيلي وكل ما يمت بصلة للفنون بجميع أطيافها لقد كانت دار عبدالله الزامل رحمه الله بجدة بحي الهنداوية وقبل ذلك بالبغدادية منتدى وصالون واستديو ومتحف ومركز ثقافي وكان ذلك ما بعد 1375ه وحتى عام 1382ه فكانت داره رحمه الله تعالى إشعاعاً ثقافياً وأدبياً وتراثياً عشق التراث والفنون عشقاً لا مثيل له . يتحدث ابنه الأستاذ علي الزامل عن هذه المرحلة المشرقة من حياة والده قائلاً: كان الدور الثالث يحتوي على عدد من الغرف وجميعها للوالد وكان بعضها ضيافة وسكنا للضيوف القادمين إلى جدة من مدن المملكة وكان يحتوي أيضاً على استديو كامل لبرامج الإذاعة التي يقدمها والدي في ذلك الوقت وكان كثير ما يتردد صدى صوته يناديني: " علي هات القهوة علي وين الشاهي؟" وين الفطور؟ الغداء؟ والعشاء؟... ويؤكد لي الأستاذ علي الزامل في لقاء جرى بيني وبينه بمنزله أن أكثر القادمين من مدن المملكة لأجل التسجيل بالإذاعة بمنزل الوالد بجدة يعتقدون أن هذه الضيافة والسكنى على نفقة الإذاعة ولم يعلموا أن الوالد رحمه الله تعالى ينفق من راتبه كل هذه المصاريف خدمة للأدب الشعبي وفنونه والجدير بالذكر أن الزامل رحمه الله يعد من أوائل الرسامين لفن الكاريكاتير الصحفي وله في هذا الميدان رسومات جميلة ومعبرة وذات مغزى وأهداف وطنية واجتماعية وتربوية وهو كذلك فنان تشكيلي أطلق بعض الكتاب والمتأدبين لقب ( دافنشي عنيزة) وكان رحمه الله من أوائل السعوديين الذين لهم باع واستقصاء في جمع الطوابع.


عبد الله الزامل شاباً

وكانت جريدة البلاد السعودية منبراً من منابر الثقافة والأدب والفكر، وقد كتب فيها الكثير من أساطين الأدب السعودي بالحجاز والوسطى وبقية المناطق الأخرى فإسهامات الزامل في هذه الجريدة كانت متميزة فقد أعد صفحة عن الأدب الشعبي استمرت عدة سنوات عندما استقر بالرياض أعد صفحات عن الأدب الشعبي بجريدتي الجزيرة والرياض نثر الزامل رحمه الله في هذه الصحف الكثير من الأفكار التي كان يؤمن بها والرؤى والتصورات واللقاءات والتقارير والمقالات كل هذا عن الأدب وفنونه إضافة إلى القصائدالتي كان ينظمها هو رحمه الله لأنه شاعر شعبي جيد وله ديوان أصدره الأستاذ الباحث فايز الحربي وديوان آخر نشره فايز وهو عن ما نظمه الزامل بالفصيح فالزامل درس اللغة العربية دراسة نظامية بالمعهد العلمي السعودي بمكة وشعره في الفصحى لا بأس به ولا يخلو من الصور الفنية.

فالزامل رحمه الله مدرسة للأدب الشعبي والصحافة الشعبية وأستاذ وكاتب أدبي وراوية إضافة كذلك أنه أسس في منزله أو الدور التي سكنها بجدة والرياض متحفاً يضم مقتنيات أثرية في مختلف مناطق المملكة ومن أهم هذه المحتويات سيارة الملك عبدالعزيز رحمه الله كاديلاك التي اقتناها وكان يعتني بها عناية فائقة جداً، وكلما ما مضى من الزمن قام بقيادتها في الشوارع في جدة والرياض لأجل أن يطمئن على سلامتها ثم أهداها للملك خالد رحمه الله وهي الآن بمتحف الدارة والزامل رحمه الله شاعر شعبي من الطراز الجيد وقصائد مسبوكة الألفاظ رقيقة المعاني بعيدة عن الصنعة والتكلف.


ساقية الماء في الزمن الجميل لوحة فنية من أعمال الزامل

وحينما انتقل إلى الرياض سنة 1383ه لم يغير عادته بل جعل من منزله مناخاً وفندقاً للضيوف واستديو للتسجيل وعقد اللقاءات مع الشعراء والموهوبين والفنانين والمهتمين بالتراث الشعبي ومن هواة المتاحف والآثار . لم ينسى معشوقته الإذاعة فقد أعد وقدم برامج شعبية ناجحة وكانت لها صدى وذكرى طيبة وهذه البرامج الإذاعية هي برنامج الفنون الشعبية وهو برنامج يستعرضه الكثير من الفنون الموجودة بالمملكة قام الزامل رحمه الله بتسليط الأضواء على هذه الفنون ونشأتها وتطورها وإيراد نماذج من هذه الفنون و كان هذا البرنامج حافل بالموروث الشعبي وكشكولاً حاوياً للفنون الشعبية استطاع الزامل أن يكون مقنعاً للمستمع بما يقدمه من مادة دسمة بعناية فهو انسان همه التراث الشعبي والفنون الجميلة ولم يكن البرنامج تقليدياً نمطياً أي مجرد مادة يلقيها المقدم من ورقات أعدها بل برنامج حي ففيه اللقاء والحوار واستعراض صور لكثير من الفنون كالسامري والعرضة والمحاورة والدحة مختفيا بكل ما يبثه البرنامج من هذه الفنون فالزامل رحمه الله طاقة متجددة لا يمل ولا يكل من العمل المتواصل بل هو شعلة نشاط لم تنطفئ حتى داهمه المرض فكانت سنوات أوساط السبعينات وما بعدها من السنوات هي قمة العطاء والعصر الذهبي للزامل وقد خصص عبدالله الزامل برنامجاً اطلق عليه من البادية وهو عبارة عن شعراء يلتقي بهم الزامل في استديو إذاعة الرياض أو في يسجل لهم بمنزله بالرياض فقد سخر الزامل منزله لهذا البرنامج وغيرها من البرامج الإذاعية متكبداً خسائر مادية جراء ما يعده لضيوفه الشعراء والموهوبين من الشباب السعودي فالزامل أوائل من جلجل صوته ببرنامج البادية عند انطلاقة إذاعة الرياض عام 1384ه وذاكرة التلفزيون السعودي لا تنسى برامج عبد الله الزامل رحمه الله تعالى. التي صارت لها شعبية وجماهيرية كبرى ولو كان هناك استفتاء من قبل المشاهدين آنذاك لاحتلت برامجه المراكز الأولى وبالذات البرنامج مساكم الله بالخير الذي يعد أنجح البرامج التلفزيونية الشعبية المميزة والبرنامج الآخر الذي لا يقل إبداعاً عن سابقه ألا وهو من ألحاننا الشعبية ثم قدم الزامل برنامجاً عن الوطن والتعريف بقرى ومدن المملكة وتراثها الأدبي والشعبي وهو برنامج لوحة من بلادي أنها برامج لها بصمات إعلامية وثقافية لهذا الرائد الموهوب عبدالله الزامل رحمه الله تعالى الذي يستحق التكريم من قبل المؤسسات الثقافية والمعنية بأدباء الوطن وعلى رأس هذه المؤسسات وزارة الثقافة والإعلام لأن الزامل بذل طاقاته ومواهبه كلها في تقديم وإعداد ما يمتع المستمع والمشاهد من خلال نشأة الإذاعة والتلفزيون بالرياض وجدة فهو من الرواد الأوائل الإعلاميين القدامى.