ماذا يعني أن يصدر الشاعر ديواناً واحداً في مطلع حياته الأدبية ثم يتوقف عن نشر أعماله الشعرية في دواوين أخرى أو ربما يتوقف عن نظم الشعر، ويظل ردحاً من الزمن يتفيأ ظلاله في دوحة الشعر عازفاً عن نشر إبداعه الشعري في مجموعة تالية ترسخ قدمه بين أهل القوافي.

هل أراد الشاعر بعد إصداره الوحيد أن يؤكد للناس شاعريته؟ أم اتخذ من الديوان (الوحيد) بوابة يدلف به إلى مملكة الشعر وينال لقب شاعر؟ أم هناك ظروف أخرى حالت دون خروج أعماله الإبداعية كمشكلات الطبع والنشر والتوزيع التي توجهه من قبل المؤسسات الثقافية؟ أم انصرافه عن دوحة الشعر إلى فنون أدبية أخرى وجد نفسه بها؟ أم أن علاقته بشيطان الشعر باتت فاترة فلا يقدح زناد الشعر عنده إلا لماماً.

أحمد المساعد: ليس للشاعر خيار إن داهمته القصيدة حتى لو طلق الشعر طلاقاً لا رجعة فيه

لقد عرف في تراثنا الأدبي شعراء مغمورين وعدهم بعض النقاد ومؤرخي الأدب في الطبقات المتأخرة من طبقات الشعراء والبعض منهم له ذكر نابه في عالم الشعر ومنهم من عرف بمقطوعة أو أبيات سارت بين الركبان، وتاريخنا الأدبي يضم العديد من هؤلاء الشعراء المنسيون وربما كان شعرهم وراء نسيانهم: كنهار بن توسعة وابن فسوة واللعين المنقري وثابت قطنة والشمردل والأعور الشني وحيص بيص والبردخت والكذاب الحرمازي.


محمد الحساني

وفي العصر الحديث عرفت الساحة الشعرية في المملكة بشعراء مقلين فأصدر بعض منهم ديواناً يتيماً واكتفى به بين جمهرة الشعراء واتجهت بوصلته إلى غيره من فنون الأدب والكتابة، فهذا الأستاذ أحمد محمد جمال (1343 – 1413ه) يصدر في مطلع شبابه ديوانه الوحيد "الطلائع" عام (1364ه) ثم انصرف إلى الكتابة الأدبية والقضايا الإسلامية فكان خير من تقرأ له في قضايا الشباب والمرأة والدعوة الإسلامية بل عرف بين جمهور القراء بالكاتب الإسلامي لكونه نافحاً ودافعاً عن قضايا أمته حتى وفاته، وهذا ما حدث للشاعر والصحفي عبدالغني محمد قستي (1346 – 1431ه) الذي أصدر ديوانه الأول والأخير عام (1374ه) وسماه "أحزان قلب" ثم اتجه نحو العمل الصحفي وظل ممارساً له في جريدة البلاد (مدير تحرير) حتى رحيله، وفي هذا السياق تبرز الشاعرة الجداوية الأستاذة ثريا قابل لتصدر ديوانها الوحيد "الأوزان الباكية" ويحظى بإعجاب العواد عام (1383ه) ثم إرتأت أن تجرب كتابة الشعر الغنائي فعرفت به بعد ذلك إلى يومنا هذا، أما الباحثة والأديبة الدكتورة مريم البغدادي الشريف فقد أصدرت عام (1400ه) ديوان "عواطف إنسانية" ولم تخرج شيئاً آخر من دواوين بعد هذا الديوان فقط كان لها حضور بارز في الدراسات الأدبية في السنوات الماضية، وكذلك الكاتب الصحفي المعروف الأستاذ محمد أحمد الحساني فلقد لازم الشعر في فتوته وشبابه ما جعله يصدر ديوانه الوحيد "رعشة الرماد" عام (1397ه) ثم سرعان ما اختطفته الصحافة فأضحى عموده الصحفي من أشهر الأعمدة الصحفية.


ثريا قابل

وفي السنوات القريبة الماضية خرجت كوكبة من الشعراء والشاعرات لم يعرف لهم في دنيا الشعر سوى ديوان واحد فقط على الرغم من عمق التجربة وتأصيلها وتجاوب النقد معها، إلا أن هذه التجربة توقفت أمام الديوان الواحد ولم تضف إصداراً آخر في دوحة الشعر، ترى لماذا توقف هذا الهديل وصمت التغريد؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات تواصلت ثقافة الخميس مع بعض من أفرد لحياته الشعرية ديواناً واحداً.

الشاعر أحمد حامد المساعد صاحب ديوان "للقوافي شجن" الصادر عام (1423ه) يذكر في مطلع حديثه:

لا أدري إن كنت من أصحاب الديوان الشعري الواحد، لأن لدي كما لا بأس به من القصائد التي نشرتها في ثقافية الجزيرة، وفي ملحق الأربعاء في المدينة، وإلى أن يصدر ديواني الثاني، إن شاء الله، سأظل عضوا في جمعية الديوان الواحد، وعلى أي حال فالشاعر ليس له خيار عندما تداهمه القصيدة، حتى لو كان قد طلّق الشعر طلاقاً لا رجعة فيه كما فعل شيخنا أحمد محمد جمال، يرحمه الله، وكما فعل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين - يرحمه الله - على الرغم من افتتانه بالشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري، وفي حدود تجربتي المتواضعة، أجد أن من الصعوبة بمكان نظم قصيدة حتى بعد ما أنجز بعض أبياتها، وكأني نجار وجد العقدة الصلبة في الخشبة فتوقف منشاره عن القطع، وأحيانا أخرى أجد قدرة على إتمام ما بدأته بكل يسر وسهولة، وإن كنت من أنصار الكيفية أكثر بكثير من الكمية كمعيار وحيد لأي منجز إلا أني لست ميالا إلى وأد موهبتي، مهما كانت متواضعة، فما لا يدرك كله لا يترك جله، وهنا يأتي دور النقد الأدبي من لدن مالكي أدواته لما له من تأثير في صقل موهبة الشاعر.

ويواصل الشاعر المساعد طرحه قائلاً: وليس من شك في أن الحدث يجعل الشاعر في حال من التفاعل شاء أم أبى، ولنا في أبي الطيب المتنبي، يرحمه الله، مثال واضح في ما تناوله من أحداث مرت عليه، لا سيما معاناته مع حساده الذين بالغوا في التحامل عليه حسداً من عند أنفسهم، لكن هناك من الشعراء من كان حكيما يوم أن لاحظ أن الشعر مرتقى صعب فقالت له نفسه " إذا لم تستطع أمرا فدعه.. وجاوزه إلى ما تستطيع"، فالشعر لون من ألوان التعبير، ولا أظن أن قائله آثم، إذ لو كان كذلك لربما نزل بتحريمه الوحي، كما حُرّم الخمر والميسر، ولما كان الإمام الشافعي شاعر الفقهاء وفقيه الشعراء، وهو من هو علما وفقها وصلاحا، إن شاء الله، ولا عليك من التحول إلى النثر على هيئة رواية أو قصة أو غيرها، فقد فعل غازي القصيبي - يرحمه الله - شيئا من هذا لكنه ظل في ذاكرة الوطن شاعرا إلى أن مات ولا يزال هكذا على الرغم من روايات العصفورية وأخواتها، إذ شعره يعد الأقوى عند النقاد، من غير مراء، ولا علينا أيضا من مقولة "الرواية ديوان العرب" في الوقت الحاضر لأن هذه المقولة من إفرازات الرغبة في إقصاء الغير، وهي نزعة عربية بامتياز، وبالمقابل فلابد من النظر لأصحاب الديوان الواحد من غير انتقاص لأن لكل منهم فلسفته الذاتية التي عناها الشاعر العربي بقوله "وللناس في ما يعشقون مذاهب" ثم أنه ليس شرطا أن تكون قصائد الديوان الواحد على قدم المساواة في الروعة، بل إن القصيدة الواحدة لا تكون أبياتها كذلك، وكان عمر أبو ريشة يعتمد قصيدة البيت الواحد، أما بقية الأبيات فهوامش لا ترقى إلى مستواه، وشواهد الشعر لا تحتمل أكثر من بيت كقول شوقي، يرحمه الله:

"وإذا الأخلاق صارت سلما نالت الشمس يدُ الملتمس"

ويختتم المساعد رؤيته:

على أن من بين شعرائنا من عزف عن طبع شعره في دواوين، وقد كان الشيخ أبو تراب الظاهري اللغوي والمحدث والشاعر، وكذلك الأستاذ الصحفي والشاعر عبدالغني قستي، رحمهما الله، من أولئك العازفين، وكما قيل "لكل شيخ طريقته".

من جهة أخرى تتجاوب الشاعرة الأستاذة أسماء الزهراني صاحبة ديوان "إنكسارات" الصادر عام (2005م) مع هذه الإشكالية فتقول:

يمكن الحديث عن تجربتي الشعرية من جهتين:

باب دوافع الكتابة الشعرية، الداخلية، والحوافز الخارجية.

فمنذ البدء كان الشعر عندي تجربة وجودية، وسيلة للرؤية والرؤيا معا، فهو لم يكن غاية لذاته، وهو لم يكن احترافا فنيا، بل كان الفن نوعا من ممارسة الحياة. ولهذا السبب لم أقف عند كتابة الشعر، بل كتبت القصة القصيرة، وكانت لي تجربة جميلة معها.

إذن ما سبب اكتفائي بديوان شعري واحد؟ أو توقفي عن كتابة الشعر بالأحرى؟

حقيقة أنا لم أتوقف بعد الديوان مباشرة، بل ظللت أنشر نصوصي في المنافذ الثقافية، مثل المجلة العربية، والملاحق، والمنتديات الثقافية، لكني كنت مقلة، حتى توقفت تماما منذ التحقت بدراسة الدكتوراه قبل سنوات ثلاث. وتزامن ذلك مع ظروف صحية قاهرة. انقطاعي إذن كان ومازال مترافقا مع انعدام مساحات التأمل الروحي والتجريب العقلي، ونقص الوقت لتحقق الحياة بأوجهها المختلفة، هذا من جانب شخصي.

وتضيف الزهراني حديثها: أما من جهة الحوافز الخارجية، فالإبداع المحلي محاصر بالتعاطي الشكلي، والتفريغ من عمق القيمة الحقيقية، فالمؤسسات تكتفي بالحضور الصوتي، ولا توجد بيئة نزيهة، ومحفزة، وخلاقة، تقدر الإبداع، وتحفز المبدع على الإنتاج. ونحن كمتابعين للساحة الثقافية، نرى الوجوه ذاتها ونسمع الأصوات ذاتها، ولا معايير عملية راقية ترشد المبدع، وتصنع القاريء الواعي، نقد ميت، ومؤسسات نائمة، وفوضى عارمة.

الكتابة بالنسبة لي تحقق جمالي للوجود، وممارسة وجودية للجمال، والجمال يتناقض مع الفوضى، وضيق الأفق، ويحتاج لمساحات خلاقة، رحبة، للتشكل بحرية، والترقي في مدارج الإبداع.

أما الشاعر محمد محسن الغامدي الذي أصدر ديوانه "السير على الأقلام" عام (2009م) فله أكثر من سبب لتأخر صدور هذا الديوان إذ يقول:

أنسحب إلى الهامش فأسترخي هناك وأترهل أم أن لوثة من التشدد قد انتابتني فكرهت قول الشعر وقراءته والتعايش معه. إجابة على

سؤال الرياض أقول إنه لا هذا ولا ذاك ولكن مرد ذلك إلى البدايات التي كانت في الثمانينات عندما تردد القائمون على نادي الطائف الأدبي في طباعة ديواني فقد كان ذلك التردد محبطا لي ومؤثرا بلا شك على حساسية الفنان بداخلي فأعتراني طيف من الوسواس الفني أو فلنقل الوسواس الأدبي حتى أعتقدت أن كل ما أكتبه لا يصلح للنشر وغير جدير بأن يقرأة الناس وبقيت على هذا الحال إلى ما قبل خمس سنوات لأتعافى مما أنا فيه وافرج عن ديواني ليطبعه نادي الطائف الأدبي بتشجيع من رئيسه آنذاك الصديق الأستاذ حماد السالمي ومازلت أكتب الشعر وانشر القليل منه ولدي ّ تقريبا ديوان لم يكتمل سأقوم بطباعته قريبا إن شاء الله عندما أوفق لإكماله وأرى أنه أصبح جاهزاً وكذا قد أصدر لي نادي الطائف عملين روائيين حاولت في الأول أن اسرد أهمية البيئة التي نشأت بها والظروف المحيطة بي آنذاك أما في الثاني فقد كتبت عن مدينتي العزيزة مدينة الطائف المأنوس ولست أدري عن مدى رضا القراء عما كتبت لكني وجدت تشجيعا من الصديق الأستاذ محمد الشقحاء وآخرون بعد أن قرأوا روايتي الأولى الموسومة ب(حوش السادة) آمل أن أكون قد أجبت على تساؤلات الزملاء في الرياض.

من جهتها ترى الشاعرة آمال بيومي ذات الديوان الواحد والموسوم ب"وقوفاً على باب عاد" الصادر عام (2002م):

لم أزل أذكر عبارة قرأتها في رواية فتنت خيالي الطفلي برومانسية امتزجت بالسكينة الإنجليزية، قالت "لهفة السامع توحي إلى المتكلم فتلهب لسانه"، نعم إنها الحقيقة قد تكون إجابتي على السؤال وهي تكفي.. ولكن للحديث شجون..

قال شاعرنا "القصائد كالناس تحيا.. لها يوم سعد ولها يوم بوس" ورأيت أننا في يوم البؤس بين نارين أن نفضي لمن ليس للشعر أهل.. وأن ..

فقلت مرحا وبغرور شاعر:

بساتيني معلقة على ماء فلن تطأوا بعرجتكم سهوب دمي

ثم قلت لحظة انكسار:

لممي ورقي

كل حرف تعثر في القيد ثم استراح على شاهد القبر

مزقي ورقي

قد أظل زمان الوقوف على شفة الجرف

هذا أوان الحصاد

ثم سكت..

ونختتم هذا الاستطلاع برأي الشاعرة نوال المجاهد وهي ممن أصدرن ديواناً واحداً وهو "أدفع الباب" عام (1426ه) فتختصر حديثها قائله: توجد عدة أسباب وراء تأخير إصدار الديوان الثاني، لعل من أهمها: قلة اتصالي بالعالم الخارجي.. والظروف المادية.. والإحباط الكثيف حيث لم أعد أهرع بسرعة لكتابة الشعر متى مازارني على حين غرّة.. ليس هناك تقدير للشعراء، هذا ليس زمنهم، مع اني اكتب الشعر لحبي للشعر وليس لانتظار التقدير والإشادة.. ولكن بالفعل هذا ليس زمن الشعراء.