ماذا جرى ؟؟ كيف حصل هذا السقوط الرهيب، كيف استطاع المتمصلحون من إحياء اضطرابات نفسية ساكنة كاضطراب تشوه شكل الجسم او مايعرف بهوس الكمال الجسدي، فيبعثوا هذا المارد من قمقمه، كيف انصب اهتمامنا بالقشور دون اللباب، من أقنعنا بأن الجمال نسخة مكررة من فنان هنا او مغنية هناك، من شوّه مفهوم الجمال الناقص الذي كان يقدسه الرومان حتى صنعوا له التماثيل؟!..

أليس جمال الأسنان في تبعثرها المرصوص، وجمال العينين في تباينهما وحورهما، وجمال الشعر في تموجه واضطرابه، نوع من التباين الجميل يوحي بالبشرية الاصلية، بعيدا عن دقة الصلصال وتموجات البلاستيك وحرفية الفوتوشوب، نعم، أنت حر بأن تحلم وترسم وتتمتع وتصدق الخيال، لكن أرجو أن لا تطلبه واقعاً معاشاً على الارض، مع انك مع مرور الزمن سوف يرتفع سقف معاييرك ولن ترضى بالنقص الطبيعي، عندها تحصد جزاء حريتك في التمتع بالحلم المستحيل!...

ولكننا في عصر غريب يركز على مقاييس قاسية ومعايير عالية للجمال، وسط إعلام مادي محموم ينشر الجمال الأوحد بين الناس، حتى أصبحت الأذواق واحدة، وحتى لو اختلفت تلك الأذواق داخل كل نفس فإنها مضطرة لمجاراة التقدم والرقي ومواءمة الذوق والحس الحضاري والعصرنة!!..

لقد حكيت لكم مرة اني كنتُ في جلسة مصارحة مع بعض الفتيات، فأذهلني كثيراً اعتراف بعض الجميلات منهن أنهن قد زرن طبيب الجراحة التجميلية!!، ومصدر عجبي أنهن كن من ذوات الدخل المحدود هذا أولًا، أما ثانياً فلأنهن كن جميلات كفاية، فعلامَ العبث؟!..

فكانت إجابات إحداهن أنها تحس أن أذنيها كبيرتان مقارنة بوجهها، أما الأخرى فكانت نحيفة بشكل كبير وقد ذهبت لكي تحاول أن تقنع الدكتور بأنها تشتكي من تكدس الشحوم على جنبيها وشواكلها، والثالثة كان سبب زيارتها رغبتها في إزالة (خال صغير) لأنها ملّت منه، وتريد إزالته لأجل التغيير، مع العلم ان هذا الخال الصغير يتموضع تحت شفتها السفلى بشكل جميل جداً، ولأن هؤلاء الأطباء كانوا يتمتعون بشيء من الأمانة فقد رفضوا أي تدخل!!..

أكثر مايدهشني عندما تأتي إلى عيادتي، شابة متعلمة تحمل مؤهلاً عالياً وثقافة واسعة وجمالاً باهراً، لتخبرني أنها دفعت قيمة الاستشارة النفسية بناء على رغبة زوجها الذي حاول أن يقنعها بأن أنفها جميل ومتناسب مع وجهها، إلا أنها تطلب منه أن يسمح لها بإجراء عملية تجميل لتصغير أنفها الذي تدعي بأنه ضخم كالخيمة، وبالطبع هذه العينة من المراجعات لا يكفيها أن تقسم لها ثلاثا بأنها واهمة، أو تأتي لها بشهادة أربعة من العقلاء بأن أنفها جميل ولا بأس به، ولا حتى جلسات المنطق والنقاش تجدي معهن، لأن هذا الاضطراب الهوسي قد غذاه الإعلام وشجعه المجتمع، وزاد الطين بلة كلام الأزواج الهمازين لزوجاتهم بكلام قاس يجرح كبرياء المرأة ونفسيتها خصوصاً عندما يقارنها (بفلانة)، حتى يجعل عقلها يطيش منها، فما تعود تفكر إلا بأن تتفوق على (فلانة هذه) لعلها تعجب وتملأ (عين الزوج)، أزواج لا يعرفون أصلا حداً للجمال الذي يريدونه، وكيف يعرفون وهم يبحرون في بحر التلفاز والمجلات والانترنت ويملأون عيونهم (بصور) استؤجرت لأجلها أفضلُ الكاميرات والفلاتر والإضاءة والفوتوشوب، واشتُريت لأجلها براميل وفرش من المكياج وكريمات الأساس، ومئات الابر من السيلكون، لكنها العقليات المتفاجئة بالانفتاح والعولمة، وعصر الصور المزيفة، والعين بحر لا ساحل له، والضحية دائماً هو الإنسان المستهلك..