تمثل تجربة الشاعر الكبير غازي القصيبي مادة ثرية وخصبة للباحثين والدارسين الذين يسعون إلى اكتشاف الكثير من مواطن الجمال ويستنطقون مكامن إبداعه الشعري وذلك وفق آليات منهجية حديثة في النقد الأدبي. ولا تزال أعمال الدكتور غازي القصيبي تقدم لقارئها الكثير من الأفكار والثيمات التي تبرهن استمرارية عطائه الإبداعي وتفتح للدارس آفاقاً واسعة وتكون امتداداً متواصلاً مع حركة الدرس الأدبي.

الباحث أحمد سليمان اللهيب استطاع أن يستكنه تجربة القصيبي الشعرية ويضيء الكثير من الزوايا الشعرية وفق منهج نقدي متميز محللاً هذه التجربة وموضحاً ماهية الشعر عند القصيبي، ولا سيما حينما يرتبط الشعر بالمرأة لكونها مجالاً خصباً عند الشعراء وقد اختط اللهيب في بحثه عن شعر القصيبي جانباً مهماً وهو «صورة المرأة في شعر غازي القصيبي» دراسة تحليلية نال من خلالها درجة الماجستير.

«ثقافة الخميس» حاورت الباحث اللهيب بعد إصداره لهذه الدراسة المتقدمة.

٭ ما سر اختيارك لتجربة القصيبي الشعرية دون غيره من الشعراء، على الرغم من أن موضوع صورة المرأة مطروق لدى جمهرة كبيرة من شعراء المملكة؟

  • القصيبي شاعر رسم له منهجاً واضحاً في التعامل مع الكلمة منذ بداياته، وهو نزيع بين مدرستين (الرومانسية والواقعية) وأمشاج بسيطة من روح الحداثة، ويكفي أن يكون القصيبي شاعراً أعاد ذكريات هذه الصحراء في وقت لم يكن ثمة من يرفع رايتها. وما زلت أردد أن القصيبي هو شاعر من طراز جيد في مرحلة كنّا بحاجة ماسة لعطاء شعري بمثل عطائه، فعطاؤه الشعري في تلك المرحلة كان يرسم خطاً متوازناً مع مجريات حياته ويلامس التيارات الفنية. وقد جاءت الدراسة بعنوان (صورة المرأة في شعر غازي القصيبي)، وهذه الدراسة حاولت أن تسلط الضوء على تشكلات صورة المرأة لديه، فالمرأة تمثل جزءاً مهماً في حياة القصيبي وشعره، إذ تعد من أكثر الموضوعات الشعرية التي طرقها كماً وكيفاً، وهو يتجاوز واقعها - المرأة/ الروح، المرأة/ الجسد -؛ ليتخذ من صورتها في مخيلته مجالاً من مجالات الإسقاط الفني؛ من حيث كونها توظيفاً رمزياً لأبعاد اجتماعية ونفسية وحضارية، فهي تعبِّر عن الوطن والحياة والصحراء والحزن وغيرها. ولا شك أن الموضوع بصورته هذه يعد من الموضوعات الجديدة التي لم يتطرق إليها الباحثون والدارسون بشكل مفصَّل. والقصيبي - قبل ذلك - من طليعة شعراء الغزل، حيث تستولي المرأة على شعره واهتمامه، فتصبح هاجساً يتعاور أفكاره وأحاسيسه، فما تفتأ أن تشارك في كثير من همومه وآلامه. من هنا جاء اختيار شعر غازي القصيبي ليس لخلو المكتبة العربية من أيّ دراسة نقدية لشعره، ولا لأن غيره من الشعراء لا يملك المدوّنة الشعرية التي لا تدرس، لكن حين تضع ذلك في ميزان بين القصيبي وغيره تجد أنك تجاه تجربة مليئة بالعطاء والتجديد والتحول وزاخرة بالتشكلات المتباينة المختلفة الملامسة للساحة الإنسانية في جميع مجالاتها.

٭ ما مدى استفادتك من الدراسات النقدية والأكاديمية التي تناولت شعر القصيبي؟

  • حين يكون لديك شاعر بحجم القصيبي، أتصور مبدئياً أنك ستجد الناقد المتلهف لبحث هذه الشخصية، ذات الدلالات المتنوعة شعرياً أو سردياً، ومن ثم جاءت الدراسات حول شعره متنوعة ومختلفة، حيث انقسمت الدراسات حول القصيبي إلى قسمين: قسم آثر الحديث عنه ضمن الدراسات الأدبية المتعلقة في أدب الجزيرة العربية والخليج، أو ضمن الدراسات المتعلقة بالأدب السعودي، وهذا النوع عبارة عن إشارات عابرة تشير إلى إبداعات القصيبي ونتاجه، وهي - كذلك - كثيرة. ومن أبرز تلك الدراسات ما قام به محمود رداوي في كتابه «الحب والغزل في الشعر السعودي» حيث خص القصيبي بعشر صفحات فقط تكلم فيها عن الحب والغزل في شعره. ويدخل ضمن هذا القسم المقالات الأدبية المتنوعة المتناثرة بين الفينة والأخرى في المجالات والصحف مثل المجلة العربية، ومجلة الفيصل، وهي - أيضاً - كثيرة. أما القسم الآخر فهي الدراسات تناولت شعر القصيبي لوحده، ومن أبرز تلك الدراسات رسالة تقدم بها فاروق عبدالحكيم محمد درباله لنيل درجة الماجستير من جامعة المنيا عام 1414هـ - 1994م وعنوانها (شعر غازي القصيبي دراسة فنية وتحليلية). ودراسة بعنوان (التيارات الفنية في شعر غازي القصيبي) تقدم بها الباحث مسعد زياد للحصول على درجة الدكتوراه 1997م، ودراسة بعنوان (شعر غازي القصيبي) دراسة فنية تقدم بها محمد الصفراني لنيل درجة الماجستير 2002م، هذه الدراسة تناولت مجمل شعر القصيبي، ثم دراسات أخرى تناولت قضية أو موضوعاً محدداً من ذلك دراسة تقدمت بها الباحثة هدى الفايز لنيل درجة الماجستير 2003م في كلية التربية للبنات في القصيم تناولت فيها (الحزن في شعر غازي القصيي)، هذه الدراسات كلها أكاديمية. وفي مجال الدراسات المقارنة نما إلى علمي أن ثمة رسالة جديدة بعنوان (النزعة الإنسانية في الشعر بين الشابي والقصيبي) تقدمت بها الطالبة هيفاء الجهني للحصول على درجة الدكتوراه. ثم كتاب آخر لا يدرج ضن الدراسات الأكاديمية وهو كتاب للأستاذ محمد محفوظ بعنوان (البروفيسور غازي القصيبي وعالمه الغريب جداً). حقيقة لم أقف - أثناء دراستي لشعر القصيبي - على كل هذه الدراسات لأسباب كثيرة فبعضها كنتُ أسير معه في تيار زمني واحد، وبعضها بعدت عليّ فيه الشُّقة؛ حيث رفض بعض أصحاب تلك الرسائل إرسال نسخة من الرسالة. كلّ هذه الدراسات وغيرها كانت محل اهتمامي أثناء البحث.

٭ هل تأثر القصيبي في تصويره للمرأة بشعراء لهم القدح المعلّى في هذا الشأن؟

  • لعل من الصعوبة بمكان أن أرصد لك هنا بكل يسر وسهولة الملامح التي يتناص فيها القصيبي مع غيره من الشعراء في رسم صورة المرأة. وليس المراد هنا إحالتك على الرسالة، لكن القارئ للقصيبي سيجد أن تيارات فنية تتنازع تشكلات المرأة لديه، فقد كان للفترة الرومانسية التي عاش القصيبي غمارها أثر بالغ في تشكيل صورة المرأة، حيث برز مدى تأثر القصيبي بشعراء مدرسة أبولو: على محمود طه، وأبو القاسم الشابي.. وغيرهم ومدى إعجابه بهم، مما صبغ قصائده بنزعة مثالية ترنو إلي عالم القيم ولعل إبراهيم ناجي أبرز شاعر - من تلك المرحلة - لا يزال يحتفظ بمكانة مرموقة عند القصيبي، وهي تزداد رسوخاً بمضي الأيام. يدل على ذلك حفظه لقصيدته الأطلال كاملة في سن مبكرة، التي تركت صداها في قصيدة «صدى من الأطلال»، وقد خصها القصيبي بدراسة في كتابه «قصائد اعجبتني»؛ مما يدل على احتفائه بها. وكما تكشفت ملامح عن تأثره بشعراء المدرسة الحديثة أمثال نزار قباني، فقد اكتشف القصيبي عالم الشعر الحديث المتحرر من رتابة القافية عن طريق نزار قباني، وتوطدت علاقته مع اللغة الشعرية الجديدة. ومن ثم لا يستنكف القصيبي أن يشير إلى أن كثيراً من قصائده الأولى في ديوانه «أشعار من جزائر اللؤلؤ» تعكس روح المدرسة النزارية. كما تأثر بشعراء آخرين مثل بدر شاكر السياب وأمل دنقل متجاوزاً المرحلة الرومانسية إلى مرحلة واقعية ورمزية في آن واحد تبرز تشكيلات للمرأة، وتعالج بعضاً من القضايا الاجتماعية والعربية. كل هؤلاء الشعراء كان لهم حضور واضح في شعر القصيبي، مما يفتح المجال لدراسة تناصية شاملة أمام الباحثين.

٭ هل الحرمان من الأمومة ساهم في إبراز صورة المرأة في شعر القصيبي واهتمامه بها؟

  • المؤثر الأول والأخير في شعر الشاعر هو حياته نفسها بكل ما تحتويه من أحداث ووقائع، وحينما تتعلق تلك الوقائع والأحداث بالمرأة/ الأم لا بد أن يكون أثرها أوضح وأبين، فالقصيبي عاش محروماً من رعاية الأم وحنانها، فقد توفيت ولمّا يبلغ السنة الأولى من عمره، ومن ثم تولت تربيته جدته لأمه التي قامت مقام والدته على توفير الرعاية والحنان والحب، ومن خلال تلك النشأة - أيضاً - احتلت المرأة/ الأم عنده منزلة عالية، ومكاناً لائقاً، كانت نتيجة حتمية لحرمانه منذ الصغر دفء الأمومة الحانية، وانعكاساً تلقائياً لتربية جدته له، التي كانت تخصه بوافر من الحنان والرحمة، فكان نتاجاً طبيعياً أن يكون الشعور بالطفولة عنده أعمق، مما جعل صورة المرأة أعقد والعاطفة تجاهها تتراوح بين حب الأم والحبيبة، فكانت الرابطة الشعورية بين الصورتين ممتزجة مما جعل شعره متنازعاً بين ثنائية الأم/ الحبيبة، ولذلك قال القصيبي:

أعذريني فإن قلبي طفل

فوق مهد الصبا النضير تيتم

بذلك أصبح الحنين إلى عالم طفولي بريء بعيد عن المطامع والمطامح والأهواء يشكل جزءاً هاماً من شعره. أضف إلى ذلك غفلة الجانب الذكوري المتمثل بوالده، وانشغاله عنه ساعد على تقوية هذا الشأن في قلبه.

٭ هل غرق القصيبي في الصورة الحسية عند تعامله مع صورة المرأة في شعره؟

  • لا أتصور أن القصيبي توجه توجها كلياً للصورة الحسية للمرأة في جميع مراحلة الشعرية، فثمة تباين واضح، غير أنّ المراحل الأولى لديه كانت تلك الصورة واضحة وجريئة أيضاً، لكن يبدو لي ذلك طبيعياً لدى الغالبية العظمى من الشعراء في بداياتهم، وإن كانت البيئة تتفاوت من شاعر إلى شاعر. وإذا أردنا أن نرصد مظاهر تلك الصورة لديه فعلينا أن نقف عند أسباب تشكلها أولاً؛ ففي شعر غازي القصيبي تتضح صورة المرأة/ الجسد أثرا من آثار الحرمان الذي عانى منه في مجتمعه بسبب الأنظمة والعلاقات الاجتماعية التي كانت تحكم التصرفات، والتي لا يجوز أن يتعداها أو يتجاوزها، وهي كذلك أثر من آثار الثقافة التي تشبع بها خاصة أنه أعجب بعمر بن أبي ربيعة، وأضحى تلميذاً نجيباً في المدرسة النزارية التي كانت تنظر للمرأة على أنها جسد تحقق للرجل الرغبات الحسية، وإلى جانب ذلك يأتي السفر إلى القاهرة وأمريكا ولندن عاملاً مساعداً في رسم صورة المرأة/ الجسد، وهي صورة أخرى للمرأة تخالف تلك الصورة التي تربي بين يديها وعاش في أحضانها في مجتمعه، إذ تبدو المرأة أمامه بارزة، كاشفة محاسنها، مظهرة لما لم تكن المرأة الشرقية تظهره. وتشكل العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة في تلك المجتمعات علاقة مخالفة لما عهده في مجتمعه، مما أحدث في نفسه تناقضاً بين تلك القيم الاجتماعية التي تربى عليها ونشأ فيها وبين تلك الحياة الجديدة التي أتاحت له قدراً من الحرية العاطفية والحسية بلورها في صورة المرأة/ الجسد. كما أنّ الوقوف عند الصورة الحسية للمرأة في شعر القصيبي يجعلنا نرصد ملمحاً آخر، فتتبدى أمامه على حقيقتها، مخلوقة من طين تعربد في جوانحها الشهوة، وتمتلئ شفتاها بالبسمة الغادرة!

٭ في أي الجوانب التي ذكرتها كان القصيبي أصدق تصويراً للمرأة في شعره؟

  • لا أعتقد أن أسلوب التفضيل هنا يفضي بنا إلى شيء مهم، الحقيقة أن جميع الصور التي استطاع القصيبي التعامل معها في شعره كانت حاضرة بشكل جيد، غير أن نسبية الحضور هي التي تحدد أيّ الصور كانت أكثر حضوراً دون غيرها، القضية تبدو أكثر وضوحاً حين نسجل مبدئياً أن القضية كلما كانت أكبر وأقرب إلى مفاهيم الإنسانية الجمعاء كانت الصورة أكثر حضوراً، خذ مثلاً صورة المرأة/ الوطن في شعر القصيبي قد تكون من أكثر الصور وروداً في شعره لأسباب كثيرة، الغربة التي سلك طريقها من الصبا، كثرة الترحل والتنقل، المآسي التي مرت على الوطن العربي والأمة الإسلامية، ومن ثمّ لا غرو أن تتسع داذرة الوطن، فلا تنحصر في مدلولها القطري المتعارف عليه، فهي إذ اتشمل الوطن الصغير وتعكس طبيعته الجميلة وما تحتويه من ركائز أساسية في بنائه: مثل الصحراء والبحر والنخلة وغيرها من مظاهر الطبيعة، وتجدد ذكريات الصبا الأولى، وما تركه في ذلك الوطن من أمسيات ما تزال عالقة في ذهن الشاعر، تتعدى ذلك فتشمل الوطن الكبير الذي ينتمي إليه الشاعر، الذي يتمنى أن يراه وطناً واحداً بلا حدود يقوم على الحب والإخاء والترابط والمودة، وتتسع كذلك لتحتوي كل ما ألمّ بالأمة العربية والإسلامية من مصائب ونكبات ونكسات، وما شعّ فيها من تيارات فكرية وقومية، فيتفاعل الشاعر معها ويمزجها بأحاسيسه ووجدانه وحرمانه فتنعكس مظاهر ذلك الوطن - الصغير أو الكبير - على شعره سواءً كانت مظاهر إيجابية أو سلبية. وعليه أتصور أن صورة المرأة/ الوطن من أكثر الصور حضوراً في شعره.

٭ ما العناصر الفنية التي كانت الأقدر والأوضح في صورة المرأة في شعر القصيبي؟

  • في رأيي الشخصي أن القصيبي يمتاز بلغة شعرية قد لا تجدها عند كثير من الشعراء، لغة القصيبي أهم إحدى المداخل الفنية في شعره، وحين يتعلق ذلك بالمضامين والأفكار، تصبح اللغة المفتاح الأول للباحث في شعره، ولا يظن القارئ أن السهولة والبساطة التي يمتاز بهما القصيبي تصل به إلى السذاجة والسطحية، إن لغته تتجاوز الأداء العقلاني للغة؛ لتصل إلى غايتها المقصودة في الكشف عن صور المرأة الرامزة إلى قضايا دلالية، ومرتكزات فكرية، من خلال التبادل الدلالي، والتضام اللغوي وهو يدأب للوصول إلى لغة رامزة تساعده في اكتشاف أغوار النفس المخبوءة، وتسجل انعكاسات حياته وتجاربه، وتجلية الموقف الفكري القائم في أعماق الذات، وتسعى كذلك إلى إقامة علاقات وجدانية، وروابط عاطفية تبلور أحاسيسه وانفعالاته، وهي ذات دلالات غير خاضعة للتحجيم وغير محصورة في إسار معاجم اللغة؛ لأنها تبث عطاءها بثاً يرتكز على الإيحاء الذي تتسع حدوده على قدر قوة اكتناز الكلمات وتراكيبها بالعواطف، وهو يتجاوز بلغته إلى أن تكون لغة دلالية غير محدودة يلعب موقع الكلمة دوراً رئيساً في تشكيل الأبعاد الفنية للعواطف والانفعالات. إن لغته غنية بالإيحاءات العميقة التي تفجرت من نبع ثر متدفق من الطبعية، ومن ثم فإن القصيبي يحاول جاهداً من خلال صورة المرأة أن يعمّق التواصل النفسي بينه وبينها، من خلال انتقاء اللغة الأدبية التي تخرج عن المستوى التقريري إلى المستوى الرمزي الإيحائي.

٭ لماذا أغفل القصيبي في تجربته الشعرية صورة المرأة/ الزوجة. والمرأة/ الأخت على الرغم من إهدائه لكل واحدة منهما ديواناً كاملاً؟

  • يبدو أن هذا السؤال ملح جداً في ظل الحضور المتنوع لصورة المرأة في ا لشعر، واهتمام جميع الدراسات التي تكلمت عن صورة المرأة في شعر عامة أو لدى أي شاعر بخاصة بإبراز هاتين الصورتين، غير أن الشاعر نفسه يكشف لنا سر غياب هاتين الصورتين في سيرته الشعرية فهو يقول إن زواجه كان: سعيداً وموفقاً وكان له أثر كبير في حالة الاستقرار النفسي والسكينة العاطفية «يبدو أن ذلك يبز لنا أن الشاعر أياً كان يتأثر بالمصائب والنكبات ويتفاعل مع الآثار السلبية في حياته أكثر من الآثار الإيجابية هذا من جانب. ومن جانب ثان يجعلنا نعلل غيابهما، هو الحياة الإيجابية لهما وعدم تعرضهما لما تعرض له الآخرون. بالإضافة إلى أن الأثر الذي تركه فقده لأمه وما تعاور حياته من مصائب متمثلاً ذلك بجدته وزوجة أخيه «ملك» و«صبا» ابنة أخيه «عادل». كان عظيماً مما جعل كثيراً من الأشياء تتوارى في ظل هذه الأحزان. كما أن العاطفة الفطرية/ الأبوية تجاه ابنته (يارا) جعلتها تغيب الشخصيات الأخرى!.

٭ أخيراً، أقحمت جانب المرأة/ الأسطورة في دراستك علماً بأن هذا الجانب لم يظهر جلياً في تجربة القصيبي الشعرية؟

  • أخي - محمد - ليست المسألة إقحاماً بقدر ما هي قراءة للنص في ظل معطياته، الصورة التي رسمها القصيبي تتفاعل معها عناصر ذات مدلولات أسطورية، وهو يستقي منها ما يساعده على تشكيل صورة المرأة، الصحيح أن القصيبي لم يتجاوز مرحلة التسجيل البدائي لعناصر الأسطورة، ولم يوظف الموروثات الأسطورية المتنوعة في التراث الإنساني مستسلماً فقط للأسطورة الفولكلورية متمثلة بأسطورة السندباد، ولم يتجاوزها إلى غيرها إلا إشارة عارضة لا تشغل القصيدة كاملة بل تأتي إشارة أو تشبيهاً أو تضميناً. وقد تعامل مع ثمات أسطورة السندباد بشكل جيد، والنسق العام الذي تدور حوله أسطورة السندباد وهو (البحث والتجديد + الانتظار والترقب) يجعل العلاقة بين الشاعر والمرأة علاقة طردية؛ لأن رحلة الشاعر تستتبع عالماً يغوص في أعماقه؛ ولذلك فإن القصيبي يتمثل صورة السندباد، ويتعمق في استخدام هذه الأسطورة، فيسافر بحثاً عن ذلك الأمل المفقود في أحضان المرأة، فيوجد دنيا جديدة يغوص في أعماقها ويبحر في بحورها. بالاضافة إلى استناده لهذه العناصر وغيرها، أزعم أن القصيبي استطاع أن (يوجد) أسطورته الخاصة هذا الخلق الجديد الذي يتعامل معه القصيبي هو أحد فنيات تلك الصورة. والقصيبي تعامل مع العناصر الأسطورية منذ ديوانه الأول «أشعار من جزائر اللؤلؤ»، وديوانه الثاني (قطرات من ظمأ)، على الرغم من أنها لا تتجاوز مرحلة التسجيل إلى التوظيف. يقول في قصيدته «شعر شاحب» من ديوانه الأول:

عجباً! قد عهدتُ فينوس تمثال مرمر