-1-

المرة الأولى التي دخلت فيها إلى متحف في حياتي، كانت هي ذاتها المرة الأولى التي سافرت بها إلى البحرين مع العائلة. كنت طفلًا لا يجاوز عمري العاشرة، أخذنا والدي إلى المتحف الوطني البحريني، وكانت لحظة مبهرة بالنسبة لي، مشاهدة حضارة لم أكن اعرف أنطق اسمها آنذاك "دلمون" و"أوال" أو ربما لم أكن أعرف ما معنى "حضارة"!.

قد تبدوا فكرة زيارة متحف في البحرين غريبة جدا، فالسعوديون عادة يذهبون إلى البحرين من أجل زيارة السينما ومشاهدة أحدث أفلام هوليود. لكن لم يكن أحدا في بيتنا - في تلك اللحظة - مهتما بالأفلام السينمائية أو تعني له فكرة "سينما" أي شيء، ومع أن والدي ليس مغرماً بالمتاحف - على حد علمي - لكنه شعر بالحماسة لزيارة المتحف، لسبب أجهله تماما، وأخذنا صباح ذاك اليوم إلى هناك.

تلك كانت بداية حكايتي مع المتاحف، والتي امتدت إلى دول وحضارات أخرى، لا أرغب بتعدادها في هذه الفقرة. كنت في وقت سابق أسخر ممن يتحدث عن رحلاته السياحية واعتبر هذا السلوك استعراضياً، فما سيستفيد القارئ عندما تخبرنا بأنك في فرنسا وقمت بزيارة اللوفر وجئت لتكتب لقراء صحيفة يومية عن مشاهداتك للوحة الموناليزا التي شاهدوها جميعا ملايين المرات، كصورة بالتأكيد لا لوحة عظيمة معروضة على حائط. لكن إذا كنت تسافر فعلا، فعن ماذا تكتب إن لم تكتب عن حياتك وتجربتك؟ لذا وهنا اعتذر تماما عن سخريتي تلك، ولتكتبوا عن رحلاتك السياحية بكل ثقة (يبدوا بأني اتحدث هنا كصاحب سلطة أو كشخص هناك من يهتم لرأيه أساسا!.. لنتجاوز هذه النقطة).

سأكتب عن المتاحف، كما أشعر بها، وأسخر منها، لا أطمح إلى كتابة أدبية، ولا كتابة علمية، بل هي كتابة أريد لها أن تأتي كما تأتي، وليتقبلها المتلقي كما يشاء.

-2-

عند الذهاب إلى متحف، يجب أن تأخذ معك أحدهم، لا تذهب وحيدا أبدا، لأن تصويرك للوحات والمنحوتات أو القطع الأثرية سيكون بلا معنى إذا لم تصور معها، فالصورة هي تخليد للحظة وحفظ لذكرى، فحاول أن تلتقط بعض الصورة كي تريها لأحفادك وتقول لهم: نعم كنت أزور الكثير من المتاحف في صباي ولم أكن أسافر من أجل السهر، ولا أقضي نهاري نائما أبدا.

صورة لمومياء، دون ظهور لك، لا معنى لها، ويمكن أن تتصفح ملايين الصور في الإنترنت وأنت جالس في بيتك. لكن من على صعيد آخر، ما فائدة أن تصور بالقرب من مومياء فرعوني أو هيكل عظمي لإنسان جاوا؟ في الحقيقة لا أعرف أبدا، حتى فكرة الذهاب إلى متحف للتصوير تبدوا بلا معنى أحيانا، فتصوير سنجاب أو شجرة غريبة الشكل أكثر جدوى. حتى مع رغبتك بتخليد لحظة زيارتك إلى متحف، فهي على كل حال ليست لحظة نزول الإنسان على القمر، ولا قفزة فيلكس الشهيرة!

يبدو بأن هذا الصوت عبثي جدا - الحديث عن التصوير والمتاحف - خاصة أن قاعدة لا تصور شيئاً بلا روح، بلا بشر، دون ظهورك أنت أو من تحب في صورك، تشمل أي فعل التصوير ذاته، إلا إذا كنت مصورا محترفا وتخشى من ملاك تطبيق "انستقرام" في الهواتف الذكية من أن يقوموا ببيع صورك بالملايين، لذلك قمت بإلغاء حسابك هناك احتجاجا على أنظمة الملكية التي تخول لهم بيع الصور دون الرجوع لصاحبها (يقال أنهم تراجعوا عنها). لأحاول بفكرة أخرى عن المتاحف.

-3-

ثق بذائقتك دائماً، فليست كل الصور المعروضة في المتحف لها القيمة، الكثير منها يعبر عن الثقافة المحلية وبعضا موجود من أجل تعبأة الفراغ لا أكثر، خاصة تلك اللوحة التي ستراها في كل المتاحف غالبا - خاصة في الولايات المتحدة - والتي هي عبارة عن لوحة بيضاء مخططة بلون أزرق، أو لوحة سوداء قاتمة في داخلها مربع أسود باهت، أو لوحات بيضاء بإطارات ملونة مختلفة. ثق بذائقتك، وأن هذه اللوحة لا تساوي أي شيء، وتم وضعها في المتحف لأن صاحبها مشهور فقط، أو لأنه صديق مالك المتحف، أو فرضها عليهم المانحون، هذه الأمور تحدث حتى في أوروبا وأمريكا، وليست حكراً علينا نحن الذين يطلق علينا عادة "دول العالم الثالث".

لذا لا تٌصدم إذا شاهدت كومة من "التبن" على سبيل المثال على أنها عمل فني. قد ترمز إلى "التبن" الذي تعيش عليه البهائم، أو التبن الذي يقتاته بعض البشر منذ ولادتهم حتى موتهم. هذا التبن لا يعني أي شيء، لأننا نراه باستمرار، بحكم أننا رعاة ماشية وأبل (قد يقول قائل بأن الإبل لا تأكل التبن ولا الماشية وبأننا نطعمها الشعير، أو أنواع أخرى من الحبوب، هذا تفصيل صغير جدا ليس بالضرورة أن ألم به وأنا أكتب عن التبن المعروض في متحف الفن الحديث "موما" وسط نيويورك!).

-4-

يقول أحد الأصدقاء - ساخرا - بأن زيارة المتحف في مدينة تقطن بها يعد من "خوارم المروؤة" أو "نواقص العقل" وصديقي هذا يكذب على كل حال، فلقد قالها لي عندما زرته وطلبت منه مرافقتي إلى زيارة أحد المتاحف في المدينة التي يسكن بها. وكنت قبل سنة بالضبط أسكن معه، وقضينا أيام نهاية الأسبوع نزور المتاحف والأنصب التذكارية التاريخية في واشنطن، المدينة التي سكن بها - وما زال - لأكثر من سنتين. لكن ما معنى أن تزور متحفا في مدينتك، مسقط رأسك ؟ وهذا أمر مختلف عن زيارة متحف في مدينة تسكن بها مؤقتا حال سياحتك أو خلال فترة ابتعاثك للدراسة.

تخيل أن تزور متحفا في الرياض؟ تشاهد دلة قهوة عتيقة و"نجر" وسيوف؟ غالبا سيكون لدى جدك سيف أقدم منه، وجدتك تملك دلة قهوة و"نجر" أكثر أصالة وعراقة. سيبدو الأمر لحظتها عبثيا بالكامل. لذا أستطيع أن أقول وأنا مطمئن، لا تزور متحف في مدينتك الأم يشرح لك ثقافتك الوطنية، لأن النتيجة غالبا ستكون مخيبة للأمال. لكن كلامي ليس صحيح دائما، فلو كنت مصريا، هل ستعتبر آثار الفراعنة جزءاً من ثقافتك الوطنية الحالية؟ هل قام المصري المعاصر بتحنيط أحد أسلافه؟ أو يمتلك أواني للمذابح التي كانت تنصب في المعابد الفرعونية؟ على الأرجح سيكون الأمر مختلف. لذا لنقل لا تذهب لزيارة متحف في مسقط رأسك إلى كان المتحف يعرض "دلة" و "نجر" تملك أشباه لها في بيتك.

-5-

قرأت مرة، أن توفيق الحكيم قضى سنوات حياته التي عاشها في باريس، يتردد كل أحد على متحف اللوفر، فعل هذا لسنوات ولم ينته من المتحف. وبغض النظر عن صدقية الحكاية، وعظمة وروعة متحف اللوفر - الذي لم أزره - إلا أن الحياة أقصر بكثير من أن أذهب إلى متحف كل نهاية أسبوع لسنوات!

التقسيمات الفنية تتشابه عموما، ولا أدعي بأني ضليع بالفن، بل كل ما أملكه من معلومات حول الفن التشكيلي لا تتعدى الخطوط العريضة وأسماء المدارس والتيارات الفنية، وهو مجال أتطفل عليه بشكل رديء. لكن ما أعرفه تماما أن هناك لوحات من العصور الوسطى الاوروبية وتصاميم رومانية وإغريقية في كل متحف - المحترم منها على الأقل - تُظهر أيضا بعض اللوحات رسوم لقديسين بوجوه بريئة - شاهدت لوحات عن محاكم التفتيش الكنسية لكن لا أظنها دارجة كثيرا - وأخرى تفاحة وأجساد شبه عارية. وفي كل متحف - محترم كما أسلفت - ستشاهد قطعا فرعونية وربما فارسية، وأخرى من الصين وحضارتها العريقة، حتى في المدن المتوسطة الحجم في الولايات المتحدة. أما اللوحات في متاحف الفن الحديث والمعاصر، فستكون على النحو التالي - في أغلب المتاحف الأمريكية - لوحة للطبيعة تظهر تفاحة متقنة الرسم، لوحة لمعاناة الأمريكيين الأفارقة قبل تحرير العبيد، وستكون لرسام من الأمريكيين الأفارقة أيضا. لوحة تشرح مآسي الحرب الأهلية، ولوحات لا معنى لها إلا أن ابن أحد الرسامين عبث بالفرشاة على لوحة والده - والتي كانت لبرتقالة على الأرجح - ثم لم يستطع إعادة رسمها، ولأنه مضطر لتسليمها في لحظة محددة حسب العقد المبرم آنذاك، قام بتسليمها كما هي، لوحة بيضاء ملطخة بالألوان بشكل عشوائي، بلا معنى. إلا أن ناقداً فنياً في إحدى الدول، سيقوم بكتابة رسالة أكاديمية حول تباين الصيغ اللونية في اللوحة وعلاقته في تهميش الإنسان بعد أن انحاز عن نركز الكون بفعل أفكار ما بعد الحداثة!.

لماذا أقول أن بعض المشاهدات في المتاحف مضيعة للوقت، لنضرب هذا المثال، عندما تزور متحف القاهرة، فلن تعني لك أي قطعة فرعوني أي معنى بعد هذه الزيارة، إلا في حالة كونك متخصص جدا وتريد أن تشاهد مومياء لفرعون محدد - بالاسم - مرتبط به عاطفيا، ويكون قد سُرق ويعرض في متحف في فرنسا أو ألمانيا، وهنا تكون ذاهب لمشاهدة رفاة صديق حميم، ولا مجرد مومياء فرعونية.

-6-

هناك متاحف موجهة فكريا، تهدف إلى إيصال رسالة محددة، أقسام تعرض أجمل ما في المسيحية والعصور الوسطى، وتظهر لك جمال القديسيين ورسوم منوعة - تبشيرية - للمسيح. كما أن هناك متاحف تحاول أن تقنعك بنظرية التطور، وبأن عقل الإنسان خلاق وعظيم جدا، فتراهم - كما في متحف زرته في سان دييغو - عرضوا تشكيلة منوعة من الشمبانزي، ليحاولون إيهامك بأن هذه القردة هي أسلافك. ثم يتحدثون عن الهندسة الوراثية والجينات، وفي آخر المتحف تدخل إلى غرفة تحوي مربعات كتب عليها أعظم اختراعات العلم في القرن العشرين الذي مضى، من قبل الترانزيستور وحتى ما بعد النانو!. كان هذا المتحف مواجها تماما للمتحف المسيحي الذي تحدثت عنها. أكثر ما شدني في المشهد قدر المفارقة، فالدخول إلى كليهما كان مجانيا. وكلها تحاول أن توهمك بأنها تعطيك الحقيقة، محاولين قدر الإمكان الابتعاد عن فظاظة المحاضرات المباشرة. لكن لا أحد منهم يتحدث عن سبب مقتل مئات الملايين من البشر حول العالم بسبب نقص الغذاء سنوياً! وعلاقة هذا برجال الدين أو نظرية داروين التطورية!.

-7-

لكل متحف طابعه الخاص (أقول هذا بعد أن ثرثرت كثيرا عن التشابه) فحديثي غالبا لن ينطبق على متحف الجنس في نيويورك (والذي لم أقم بزيارته) أو متحف الشمع في لبنان! ومتحف الشمعة حكاية أخرى. فلا شيء حقيقة يمكن أن يفسر أن يقوم متحف بصناعة تماثيل من شمع لرجال السياسة خاصة، فما معنى أن تضع تمثال شمع لصدام حسين أو هتلر أو الرئيس الأمريكي ترومان (أول وآخر من أمر باستخدام السلاح النووي!). لا شيء يفسر وجود تماثيل من شمع للقتلة والدكتاتوريين والمستبدين إلا أن البشر يعانون من متلازمة إستكهولم! عقدة عشق الجلاد! فيصنعون تماثيل لتخليده!.

حياتنا برمتها عبارة عن متحف هائل، بعضنا ما زال يعيش حالة المتحف كل يوم، فيتعامل مع الحياة كقطعة أثرية، فيتراكم على يومه الغبار حتى يخنقه. آخرون يعيشون حالة لعن المتحف، ومحاولة التخلص من آثاره، وربما بيعها في السوق السوداء!. وهناك من جاوزوا الحياة داخل المتحف، فأصبحوا يعرضون كومة تبن في صالات العرض، ويطلبون منك أن تدفع "من حر مالك" مقابل الدخول ومشاهدة كومة التبن، وربما التصوير بجانبها كفن ما بعد حداثي يعبر عن اغتراب الإنسان المعاصر!.