يحدث تسارع كبير في تطور المجتمع وتصاعده نحو الأمام، وهو ما يُسهم في تغيير إيجابي، من خلال القرارات التي تصدر وتصب في صالح الوطن، ومن أجل المواطن بشقيه الرجال والنساء، إلاّ أن تلك القرارات وربما الأحداث التي تصاحب بعض التحولات في المجتمع تجد لها من يتقبلها ومن يعارضها، حيث تبرز التوجهات المتنوعة في شرائح المجتمع، التي "تُمحص" بعض الأحداث وبعض القرارات، من خلال منطلقات مختلفة، وهو الأمر الذي يجعل المسؤول في الجهات الحكومية أمام مهمة الإقناع والنقاش والتحاور مع من يُبدي اعتراضه، فإما يحدث الإقناع، أو استخدام أسلوب التوسط في تقريب وجهات النظر!.

وتبرز ظاهرة "الدعاة المعارضين على أبواب المسؤولين"، التي تأتي على خلفية إثبات الموقف، وهو الأمر الطبيعي الذي من الممكن أن يحدث، ولعل أهم ما يحقق إيجابية التواصل بينهما هو إيجاد لقاءات حيوية مبرمجة وعملية، واستيعاب كل من الطرفين موقع الآخر، الموقع المثالي للداعية، والموقع الواقعي للمسؤول، كذلك لابد من التخطيط للتطوير والتجديد والإصلاح، فحين يحصل ذلك فإن هذه الرؤية هي من يقود المجتمع سواء كانوا مسؤولين أو دعاة أو سائر الناس.

ولا ننسى أن يعي الدعاة أهمية التروي وعدم الاستعجال، فمن المعروف أن الأئمة الكبار من علماء الدين كانوا يتريثون ولا يتعجلون، وهو ما يؤكد على أن مهام الداعية أو المفتي، أن يوجه السائلين أو الرأي العام، لا أن يجري معهم ويسايرهم ويتسرع مثلهم!.

تحولات تراكمية

وقال "أ.د.عبدالرحمن بن زيد الزنيدي" -أستاذ الثقافة الإسلامية في كلية الشريعة بجامعة الإمام-: لفهم العلاقة بين المسؤول والداعية في المجتمع، يحسن بنا استعادة الحالة السابقة للتحولات التراكمية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مضيفاً كان الداعية من جهة هو العالم الشرعي، وهو المثقف الوحيد في الساحة من حيث الفاعلية، وكان المسؤول مشتركاً تقريباً في البنية الثقافية -الشرعية تحديداً- مع هذا العالم الداعية، وإن اختلف المستوى؛ هذا من جهة ثانية، أما الجهة الثالثة فهي المجتمع من حيث بنيته الثقافية، والاجتماعية غير المنفعلة بشكل متسع، يضاف إلى ذلك جهة رابعة تتمثل في تواجد النمط الديني بالصور الشعبية المتوارثة التي تمثل ثقافة مشتركة، مشيراً إلى أن قضية المصالح ذات بُعد واقعي تطبيقي، فقد كان المسؤول قادراً على إقناع، أو غلبة الطرف الآخر في هذا المجال.

شعور مشترك

وأوضح "أ.د.الزنيدي" أن الأمر في العقود القليلة الماضية تغير، فالداعية بفعل الحراك الفكري والثقافة المعاصرة، أصبح يشعر أنه لم يعد فقيهاً تقليدياً، ولا معزولاً عن السياسة والإصلاح الاجتماعي بوجه عام، والمسؤول تعاظم شعوره بضرورة التفاعل مع العصر والانفتاح على تطوراته والتغيير في الأنظمة والمؤسسات، كما أن المجتمع تطور فكرياً وحضارياً، وهو ما يحمِّل الداعية مسؤولية التعاطي مع المسؤول للاصلاح السياسي باتجاه حماية الدين من تطورات تنتهك حدوده، لافتاً إلى أن ذلك حمّل المسؤول عبء الترقي المؤسساتي مواكبةً للترقية الثقافية والاجتماعية، مبيناً أن النسق الديني شبه الموحد أصبح ذا أوجه متعددة لأطياف فكرية تتنافس على العمل الإسلامي، وفي مقدمتها التعاطي مع الشأن السياسي، لافتاً إلى أن شعوراً مشتركاً يجمعها وهو قيام المجتمع على الشريعة، وإعلاء منارات الدين، واجتماع الكلمة بما فيها وحدة الوجهة السياسية، ولاءً للحاكم من قبل الشعب ورواده من العلماء والدعاة، واستمراراً لالتزام الحاكم بعهده بحفظ الشريعة في مفاصل الدولة.

على وفاق

وأكد "أ.د.الزنيدي" على أن هذه العلاقة إضافة إلى هذا الشعور على توتر، يخف أحياناً ويتصاعد أحياناً أخرى، نتيجة تلك التطورات من قبل كل طرف، ومن المسؤول تجاه الداعية إذا مارس هذا الأخير ما يُعد تجاوزاً، مضيفاً أنه يزيد التوتر أن هذا التدخل يتم باسم الدين، مما يعني أن تصرف المسؤول يمثل اختراقاً، ويكون التوتر من الداعية تجاه المسؤول حينما يُغيّر هذا الأخير في النسق الذي استقر عليه المجتمع على أنه الصورة الشرعية، ويزيد التوتر حينما يكون التغيير في شيء يتصل بالقضايا الحساسة شرعياً كالمرأة والتعليم الديني، ويزيد أكثر حينما يشعر الداعية أن هذا التغيير يطال العناصر التي يجري السجال المحموم فيها بين التيار الدعوي والتيار الآخر، ما يعده اندفاعاً من المسؤول مع ذلك التيار، وبالتالي انقلاباً على ولائه التقليدي للتيار الدعوي.

وأضاف أنه مع ذلك فإن الدعاة ليسوا صورة واحدة، والمسؤولين ليسوا أيضاً نمطاً موحداً، ذاكراً أن هناك مسؤولين ودعاة على وفاق في النظر إلى كثير من الأمور، وتبصر مشترك إزاء بعض التحولات.

تواصل حي

وأكد "أ.د.الزنيدي" على أن مشكلة جفاف العلاقة بين المسؤول، والداعية يمكن أن تعالج لتتحول إلى علاقة إيجابية ينعكس أثرها نفعاً على الدولة واستقرار المجتمع؛ ولعل من أهم ما يمكن أن يحقق هذه الإيجابية التواصل الحي بين الداعية والمسؤول، لا على منهج الباب المفتوح لكل الناس، وإنما على أساس تنظيم للدعاة والعلماء، عبر لقاءات حيوية تكون مبرمجة وعملية، مضيفاً أنه إذا تحقق العنصر السابق لابد أن يوضح الدعاة اهتمام المسؤول بالقضايا لمن وراءهم، مما يهدئ نفوس الناس، ويريح الضمائر، مشيراً إلى أنه في مجتمع ديني ينظر لكل شيء بهذا المنظار، فإنه ينبغي تبرير الأفعال تبريراً شرعياً يوقف التساؤلات من جهة، ويحسم الأمر أمام اجتهادات البعض، مشدداً على أهمية استيعاب كل من الطرفين موقع الآخر، الموقع المثالي للداعية الذي ينظر للحياة نظرة مثالية من أفق التعاليم النظرية النموذجية، والموقع الواقعي للمسؤول الذي يسعى ليحقق ما يستطيع من مصلحة للمجتمع في واقع تحيط به الضغوط والتحديات.

علاقة تقدير

وأوضح الأستاذ "زين العابدين الركابي" -مفكر إسلامي- أن الأصل في المجتمع المسلم أن تكون العلاقة بين شرائحه كافة علاقة تقدير واحترام وتعاون ونصح فيما ينبغي فيه التشاور؛ لأن الأصل أن يحكم الجميع منهج واضح وهو منهج الإسلام المتلقى من الله ورسوله، ففي ظل هذا المنهج يتساوى الجميع في التزامه وطاعته والاحتكام إليه عند النزاع أو الاختلاف، وبمقتضى هذا المنهج لا يكون هناك آخر مغاير في الفلسفة والهدف والهوية والمرجعية، مضيفاً أنه تظل الفروق والاستعدادات الفطرية موجودة، فالناس ليسوا سواء في هذه الاستعدادات، لكنهم سواء في الالتزام بالمنهج الجامع المرتضى منهم أجمعين.

وأضاف أنه في ظل هذا المنهج الجامع الحاكم ينبغي التخطيط للتطوير والتجديد والإصلاح في هذه القضية أو تلك، وحين يحصل ذلك فإن هذه الرؤية التخطيطية هي من يقود المجتمع -حكاماً ودعاة وسائر الناس-، مبيناً أن الذي يقود حركة التطوير والتقدم لتحقيق المصالح هو الرؤية المخططة على علم ومعرفة، وليست الفتاوى الفردية.

عدم استعجال

وأشار "الركابي" إلى أن التعجل في إبداء الرأي أو الفتوى في هذه القضايا العامة، هو سلوك غير محمود بمقياس الدين، ومقياس العقل، ومقياس المصلحة، وينبغي الكف عن هذا السلوك لئلا تذهب المصالح العامة ضحية للتسرع أو التعجل، مؤكداً على أنه من المعروف في تراثنا العلمي أن الأئمة الكبار من علماء الدين كانوا يتريثون ولا يتعجلون، بل ويتسمون بالرويَّة لا بالتسرع، وذلك بموجب الورع الذي يدفعهم للتحري والتثبت، وبمقتضى المصلحة العامة التي تقتضي منهم ذلك أيضاً، موضحاً أن السائل يستعجل الداعية في الجواب وكأن الدنيا ستخرب وأن الدين سيفسد إذا تروى المفتي في الجواب، بيد أن من مهام الداعية أو المفتي، أن يوجه السائلين أو الرأي العام لا أن يجري معهم ويسايرهم ويتسرع مثلهم، ذاكراً أنه إذا صححت العلاقة بين الدعاة والمسؤولين التنفيذيين تصحيحاً يحكمه المنهج الجامع الحاكم، وإذا جرى التخطيط العلمي الصحيح لقضايانا المعاصرة، فإن علاقة سوية وممتازة وجميلة ستنشأ بين الداعية والمسؤول، وهي علاقة ستكون بمثابة مبادرات وطنية جادة وشريفة في مضمار خدمة الوطن والمواطنين.

موروث فكري

وأوضحت "د.سهيلة زين العابدين" -عضو المجلس التنفيذي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان- أن بعض الدعاة ليس لديهم العمق الفقهي والإدارة والوعي بالأمور الفقهية، مضيفةً أن الداعية لا يحق له الفتوى؛ لأنها تتعلق بالعلماء وبالعلم الشرعي، مشيرةً إلى أن هناك اختلافا بين العلماء وبين ما يصدر من قرارات، فلو عدنا إلى تاريخنا الفقهي نجد أن هناك بعض التأثيرات من الموروث الفكري والثقافي متغلل في نفوس بعض المفكرين وبعض القضاة وبعض الفقهاء، حيث يُفسرون القرآن بموجب ما لديهم من موروث فكري، ووفق العادات والأعراف المتعلقة بالمجتمع -حسب قولها-، مؤكدةً على أنهم لم يتخلصوا من ذلك الموروث، بل إن هناك من يأخذ بالأحاديث الضعيفة التي توافق ذلك الموروث الفكري مع أنها تخالف النصوص القرآنية، وهنا يحدث التصادم.

خلفية دينية

وذكرت "د.سهيلة زين العابدين" أن القرارات لا تصدر إلاّ بعد العودة إلى علماء في الفقه الإسلامي، مضيفةً أن جهل بعض المسؤولين بالأحكام الشرعية يجعل من حجتهم أمام الدعاة ضعيفة، فلا يملكون التفقه الذي يؤكد على أن القرارات هي من صميم الإسلام، مشددةً على أهمية أن يكون لدى المسؤول خلفية دينية مع العلم بالأحاديث، حتى يستطيع التعاطي مع كافة شرائح المجتمع والدعاة، مبينةً أنه من الصعب أن يوجد من المسؤولين من يتفقه في الدين، لذلك لابد حينما يصدر قرار أن يُبين العلة الشرعية للمسؤولين فيها، حتى يستطيعوا أن يناقشوا الدعاة على علم، كما أنه على الدعاwwة أن يعرفوا الأحكام الدقيقة لبعض الحالات في الشرع، كاختلاط المرأة بالرجل، مشيرةً إلى أنه لم يحرم الإسلام اختلاط المرأة للرجل وهي ملتزمة بحجابها الإسلامي.

وأضافت أن المرأة كانت في عصر الرسول الأمين تختلط وتخرج للحرب وتعالج، وما يدلل على ذلك آية المباهلة في القرآن، التي أشركت المرأة في الدعوة والخروج مع الرجل.


أ. د.عبدالرحمن الزنيدي

زين العابدين الركابي

د.سهيلة زين العابدين