عند الحديث عن مساجد مكة المكرمة ينقاد الذهن مباشرة للمسجد الحرام .. الذي تعدل الصلاة فيه مئة ألف صلاة ، إلا أن رحاب العاصمة المقدسة تحفل بعشرات المساجد الأثرية ذات الدلالة التاريخية في بداية العهد الإسلامي ، ورسمت على ذاكرة الزمن ملامح بداية الفن المعماري الإسلامي. وأبرز المساجد الزاخرة بالتراث المعماري مسجد البيعة ومسجد جعرانة والجن والخيف والراية وعائشة والصخرات والمشعر الحرام ونمرة. واكتسبت المساجد أهمية إضافية للمواقف التاريخية التي حصلت فيها أو بالقرب منها ، فمسجد البيعة تمت على أرضه أول بيعة في الإسلام ، ويجاوره مسجد الجن الذي تلقى فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيعة الجن ، ومسجد الخيف الذي شهد صلاة الرسل فيه ، ومساجد أخرى نزل بها القرآن ، ومنابر أسهمت في بث الرسالة المحمدية وإيصالها للعالم أجمع ، فأغلب هذه المساجد لازالت شامخة تربط الماضي بالحاضر وهي شاهد على عظمة تاريخنا الإسلامي. ويعود تاريخ "مسجد البيعة" إلى سنة 144ه عندما بناه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في الموضع الذي تمت فيه البيعة تخليداً لهذه الذكرى ويقع على بعد 500 متر تقريبا من جمرة العقبة الكبرى ، ويشاهده الحجاج العابرون لمنطقة الجمرات ، وهو عبارة عن مصلى لا سقف له يحوي محرابًا وملحقًا معه فناء أكبر من مساحته ، يطل على منى من الناحية الشمالية في السفح الجنوبي لجبل " ثبير" المطل على شعب المعروفة باسم " شعب الأنصار" أو" شعب البيعة ". ويوجد فيه حجران كتب على أحدهما عبارة " أمر عبدالله - أمير المؤمنين أكرمه الله - ببنيان هذا المسجد " في إشارة إلى الخليفة العباسي ، وبه رواقان من الجهتين الشامية واليمانية بطول 23 ذراعا وعرض 14 ذراعا ونصف الذراع كل منهما مسقوف بثلاث قبب على أربعة عقود وبابين وطول المسجد من محرابه إلى آخر الرحبة 38 ذراعا تقريبا.


مسجد نمرة

ومازال المسجد يحتفظ بشيء من مساحته ونقوشه الإنشائية الأثرية ، إذ يوجد فيه نقش إنشائي يؤرخ لعمارته وآخر تذكاري من نفس الفترة ونقش إنشائي مؤرخ في سنة 625ه. وظل المسجد متواريًا عن الأنظار خلف الجبل حتى بعد التوسعة الجديدة وإزالة الجبل في إطار توسعة مشعر منى لطرق المشاة والحافلات ضمن مشروع منشأة الجمرات ظهر جليا للجميع بالقرب من جسر الجمرات. وتمت بيعة العقبة الأولى في هذا الموضع من منى سنة 12من النبوة 621م حيث بايع 12 شخصًا من قبيلتي الأوس والخزرج من المدينة ، كما أن بيعة العقبة الثانية كانت في ذات الموضع ، وذلك أثناء موسم حج سنة 13 من النبوة 622م ، وحضر هذه البيعة 73 رجلا ًوامرأتان من أهل المدينة المنورة ، ودعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي المدينة ، وقالوا : إلى متى ندع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ، وعرفت هذه البيعة أيضا ببيعة العقبة الكبرى وبنى أبو جعفر المنصور سنة 144ه - 761م مسجدًا في موضع البيعة ، كما هو مصرح في اللوحة التي لا تزال مثبته في جدار المسجد للقبلة من الخارج وهو مكون من فناء مكشوف يتقدمه مظلة. وكان موضع اهتمام وعناية خلفاء المسلمين على مر التاريخ ولعل بناءه الحالي عثماني من الحجر والجص. ومن المساجد الأثرية في مكة المكرمة " مسجد الجِعرانة " ويقع في قرية الجعرانة وهي قرية صغيرة قريبة من الحرم يعتمر منه أهل مكة وهي حدّ الحرم المكي من الشمال الشرقي لمكة المكرمة ، نزله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحرم منه لعمرته الثالثة وقد رُمِّم هذا المسجد ووسع مراراً عبر التاريخ ، ومكانه الآن مسجد بني حديثا. أما "مسجد الجن" فيعد من المساجد المهمة في مكة المكرمة ، واستمد هذه الأهمية لوقوع عددٍ من الحوادث فيه ، فقد تلقى نبي الهدى - عليه الصلاة والسلام - بيعة الجن فيه ، وبترابه موضع الخط الذي اختطه الرسول - عليه الصلاة والسلام - لابن مسعود ، وفي إحدى لياليه التي استمع نفر من الجن إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو القرآن ، ونزلت سورة الجن. ويقع المسجد أمام مقبرة المعلاة في مكة المكرمة ويسميه بعض أهل مكة مسجد الحرس وجدد أكثر من مرة عبر العصور الإسلامية، وآخر تجديد له في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - عام 1421ه. وقد عمر عمارة بديعة وألبست جدرانه الخارجية بالحجر المُمَثل الجميل.


مسجد الخيف

ومن مساجد مكة المكرمة الأثرية " مسجد الخَيف " ويقع على سفح جبل منى الجنوبي قريبا من الجمرة الصغرى وقد صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء من قبله وقد كان هذا المسجد موضع اهتمام وعناية خلفاء المسلمين على مر التاريخ ، وَوُسِعت عمارته في سنة 1407ه وبه أربع منارات كما زود بجميع المستلزمات من إضاءة وتكييف وفرش ومجمع لدورات المياه به أكثر من ألف دورة مياه وثلاثة آلاف صنبور للوضوء. ومنها "مسجد الراية" وهو من المساجد التي صلى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وبناه عبد الله بن العباس بن علي بن عبد الله بن عباس ثم بناه بعد ذلك الخليفة المستعصم العباسي سنة 640 ه وعمّره بعد ذلك الأمير قطلبك الحسامي المنحلي سنة 801ه وهو الآن قد بني بناءً حديثاً في عهد الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - ويقع المسجد بالمكان المعروف بالجودرية . ويمضى الحديث إلى مسجد عائشة وهو من المساجد التاريخية التي يزخر بها تراث مكة العريق وسمي باسم زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - ويقع بالتنعيم ويسمى بمسجد التنعيم ومسجد العمرة ، اعتمرت منه أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - بعد حجها عام حجة الوداع ، يبعد عن المسجد الحرام بنحو ستة كيلومترات ، وتم تجديده وتوسعته في عهد الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - على مساحة ( 84,000 ) متر ويستوعب نحو ( 15,000 ) مصل ، ويعتمر منه أكثر المعتمرين من داخل مكة المكرمة لقربة من المسجد الحرام.

أما مسجد الصخرات " فهو بعرفات أسفل جبل الرحمة على يمين الصاعد إليه وهو مرتفع قليلا عن الأرض يحيط به جدار قصير وفيه صخرات كبار وقف عندها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة وهو على ناقته القصواء .وفي هذا الموقف نزل عليه صلى الله عليه وسلم ..قوله تعالى:(( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ... ))، وأحيط هذا الموقف بجدار طوله من جهة القبلة 13.3 مترا والجدار الذي على يمينه ويساره 8 أمتار أما الجدار المقابل للقبلة فدائري غير مستقيم. ومن المساجد الأثرية مسجد المشعر الحرام ، وفيه نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبلته في حجة الوداع ويقع في منتصف المسافة تقريباً بين مسجدي نمرة في عرفات والخيف في منى، لكون مزدلفة واقعة بين عرفات في شرقها ومنى في غربها ، وكان المسجد في بداية القرن الثالث الهجري مربع الشكل متواضع المساحة والبناء ويحيط به سور مربع الشكل ولا يوجد بداخل المسجد مظلات، وفيه ستة أبواب، باب في القبلة، وبابان في الجدار الأيمن، وبابان في الجدار الأيسر، وباب في مؤخر المسجد.

وفي العهد السعودي تمت عمارته وتوسعته عام 1395ه على الشكل المستطيل وبلغت مساحته 5040 مترا مربعا، بطاقة استيعابية 12 ألف مصل وطوله 90 مترا (من الشرق إلى الغرب)، وعرضه 56 مترا ويزدان بمنارتين ارتفاعهما 32م وله ثلاثة مداخل في كل من الجهة الشرقية والشمالية والجنوبية ونوافذ وشرفات مسننة التي تلتف حول سطحه. وقد أعيد بناء المسجد على الشكل المستطيل وبني بالآجر المغطى من الخارج بالأحجار المصقولة وتخطيطه عبارة عن كتلة ضخمة من البناء مغلقة مقسمة من الداخل بمظلات مكونة من عقود (أسقف) نصف دائرية محمولة على أعمدة اسطوانية. ومن المساجد المشهورة في مكة مسجد نمرة وهو من أهم المعالم في مشعر عرفات وبه يصلي عشرات الآلاف من ضيوف الرحمن صلاتي الظهر والعصر في يوم عرفة جمعًا وقصرًا اقتداء بالرسول صلى عليه وسلم ، وبني المسجد في الموضع الذي خطب فيه الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وذلك في أول عهد الخلافة العباسية في منتصف القرن الثاني الهجري. ومر المسجد بتوسعات تمت على مرِّ التاريخ ، وبعد اتساعه أصبحت مقدمة المسجد خارج عرفات ، ومؤخرة المسجد في عرفات ، وهناك لوحات إرشادية تشير إلى ذلك لكي يعرف الحجاج مواقفهم. وشهد مسجد نمرة أكبر توسعة له في التاريخ في العهد السعودي ، ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب 340 مترا وعرضه من الشمال إلى الجنوب 240 مترا ، ومساحته أكثر من 110 آلاف متر مربع ، وتوجد خلف المسجد مساحة مظللة تقدَّر مساحتها ب 8000 متر مربع ، ويستوعب المسجد نحو 350 ألف مصل ، وله ست مآذن ، وارتفاع كل مئذنة منها 60 متراً ، وله ثلاث قباب ، وعشرة مداخل رئيسية تحتوي على 64 بابًا ، وفيه غرفة للإذاعة الخارجية مجهزة لنقل الخطبة وصلاتي الظهر والعصر ليوم عرفة مباشرة بواسطة الأقمار الصناعية. وهكذا تظل مكة المكرمة عاصمة المساجد التاريخية ذات العمق الدلالي ، التي قادت إلى تغيير وجه التاريخ والتأثير في سماته البنائية والعمرانية.