من الصعب عقد مقارنة بين الدول المتقدمة والمتخلفة، ليس في مجال العلوم والاقتصاد والحريات العامة فقط، بل بتجاوز تواريخهم في التقاتل سواء جاء على التسابق امتلاك ثروات العالم وأسواقها، أو الحروب الدينية والقومية، ولذلك لم تقم القوانين الراهنة إلا بعد قرون طويلة من الصراعات، وقطعاً لا يمكن وضع العالم الثالث على نفس الدرجة ولو خرجنا بنتيجة أن الاستعمار خرج من الباب وعاد من الشباك ليسيطر اقتصادياً وسياسياً فالمنطق الحقيقي يرفض هذه النظرية ليس لطهارة تلك الدول أو محاولة نهوض العالم المتخلف ومساعدته، بل لأن الكثير من فرضيات التخلف ولدت من داخل أنظمة العالم الثالث..

حالياً لم يعد الخلاف على الاستقلال من المستعمر، بل بدأت تنشأ خلافات على ما بعده بنشوء دكتاتوريات لعبت دوراً في تلبية طلبات العالم المتقدم والتبعية له، وقام في ظلها عناصر متطرفة، فأفكار عدائية عند طرفي الصراع، وقطعاً كانت أمريكا وأوروبا على قائمة الأهداف التي رسمها المتطرفون، وهي ليست نبعاً جديداً من القاعدة أو أي حركة مشابهة، بل تراكم أزمات وحروب وعداء مستحكم بين شعوب تستحق الحياة، وأخرى لا تستحقها، وفي قلب هذا الصراع القضية الفلسطينية، التي وإن ألهبت المشاعر فغزو العراق وأفغانستان تمت الاستهانة بكل ما هو إسلامي إلى حد تعمد الإساءة لمشاعر ما يزيد على مليار مسلم، قاد إلى أن تصبح دول الربيع العربي، ذات منحى واتجاه إسلاميين، وهو ما لا يتناسب والفكر المقابل الذي حاول وضع المتاريس في نمو هذا التيار، أو وصوله لدوائر القيادات العليا، وخلفها شارع عربي مؤيد لها، ورافع شعارات استقلال القرار، والتعامل بالمثل مع أي قوة كبرى أو صغرى..

الجدل القائم يرشح فتح النوافذ لسياسات التقارب وسد فجوات الخلافات بحوارات الأديان والثقافات والحضارات، وهي نقطة جوهرية لحماية حقوق كل الأطراف، لكن هل يمكن توقيع مواثيق في احترام الأديان وعدم استفزاز المؤمنين بها كأن تدخل نصوص دساتير الدول ووضع آليات لا تفسر الحرية أنها فوق قوانين ومشاعر الآخرين، ثم نبدأ بحوار الثقافات والتي قد تكون القنطرة لعبور القطيعة التاريخية بتزييف تراث الشعوب، أو الانتقاص منها، واعتبار الثقافة منطق التعايش والتقارب بين الأجناس؟..

أما الحوار عن الحضارات، فيبدأ بالاعتراف، أن لكل شعب وأمة ودين حضارة تمثلها، لأن النسيج الذي بدأ مع اكتشاف النار، إلى اقتحام الفضاء، قام على منجز بشري، لا يحصر بمرحلة تاريخية، أو شعب، بل جاء ثمرة اكتشافات من رسم خطوط النهضة الإنسانية كلها منذ كتابة التاريخ وتدوينه..

أما أن يظل الحوار يدور على فراغ، ليرى المنتصر بثقافته ومنجزاته الراهنة، الخضوع لها، فقد يفقد أي تقارب أو حوار قيمته، لأن للشعوب كرامتها مهما تباعدت السياسات، والتقدم والتخلف وعندها قد لا يكون الحوار مجدياً..